الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

17

مختصر الامثل

ونقف إلى جاب المؤمنين : « فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذّبَ بَايَاتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » . الآية التالية تؤكد أنّ ذلك ليس أكثر من تمنّ كاذب ، وإنّما تمنّوه لأنّهم رأوا في ذلك العالم كل ما كانوا يخفونه - من عقائد ونيات وأعمال سيئة - مكشوفاً أمامهم ، فاستيقظوا يقظة مؤقتة عابرة : « بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ » . غير أنّ هذه اليقظة ليست قائمة ثابتة ، بل إنّها قد حصلت لظروف طارئة ، ولذلك فحتى لو افترضنا المستحيل وعادوا إلى هذه الدنيا مرّة أخرى لفعلوا ما كانوا يفعلونه من قبل وما نهوا عنه : « وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ » لذلك فهم ليسوا صادقين في تمنّياتهم ومزاعمهم « وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ » . وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 29 ) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَ لَيْسَ هذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 30 ) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ( 31 ) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلَا تَعْقِلُونَ ( 32 ) هذه الآية استئناف لأقوال المشركين المعاندين المتصلّبين الذين يتمنون - عندما يشاهدون أهوال يوم القيامة - أن يعودوا إلى دار الدنيا ليتلافوا ما فاتهم ، ولكن القرآن يقول إنّهم إذا رجعوا لا يتّجهون إلى جبران ما فاتهم ، بل يستمرون على ما كانوا عليه ، وأكثر من ذلك فإنّهم يعودون إلى إنكار يوم القيامة « وَقَالُوا إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ » . الآية التالية تشير إلى مصيرهم يوم القيامة ، يوم يقفون بين يدي اللَّه : « وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هذَا بِالْحَقّ » . فيكون جوابهم أنّهم يقسمون بأنّه الحقّ : « قَالُوا بَلَى وَرَبّنَا » . عندئذ : « قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ » . لا شك أنّ « الوقوف بين يدي اللَّه » لا يعني إنّ للَّه‌مكاناً ، بل يعني الوقوف في ميدان الحساب للجزاء ، كما يقول بعض المفسرين ، أو أنّه من باب المجاز ، مثل قول الإنسان عند أداء الصلاة أنّه يقف بين يدي اللَّه وفي حضرته . الآية التي بعدها ، فيها إشارة إلى خسران الذين ينكرون المعاد ، فتقول : « قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ