الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
10
مختصر الامثل
ثم يستنتج من ذلك أنّهم - في هذه الحالة أيضاً - كانوا سيعترضون الاعتراض نفسه ، وهو : لماذا أوكل اللَّه مهمّة القيادة إلى بشر وأخفى عنّا وجه الحقيقة : « وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ » . وفي الختام يهوّن الأمر على رسوله ويقول له : « وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ » . هذه الآية في الواقع تسلية لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله يطلب اللَّه فيها منه أن لا تزعزعه الزعازع ، ويهدد في الوقت نفسه المخالفين والمعاندين ويطلب منهم أن يتفكّروا في عاقبة أمرهم المؤلمة . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) لكي يوقظ القرآن هؤلاء المعاندين المغرورين يسلك في هذه الآية سبيلًا آخر فيأمر رسوله أن يوصيهم بالسياحة في أرجاء الأرض ليروا بأعينهم مصائر أولئك الذين كذّبوا بالحقائق ، فلعلّ ذلك يوقظهم من غفلتهم « قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذّبِينَ » . لا شك أنّ لرؤية آثار السابقين والأقوام التي هلكت بسبب إنكارها الحقائق تأثيراً أعمق من مجرد قراءة كتب التأريخ ، لأنّ هذه الآثار تجسّد الحقيقة ناطقة ملموسة ، ولهذا استعمل جملة « انظروا » ولم يقل « تفكروا » . قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ( 12 ) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 13 ) يواصل القرآن مخاطبة المشركين ، ففي الآيات السابقة دار الكلام حول التوحيد وعبادة اللَّه الأحد وهنا يدور الحديث عن المعاد ، وبالإشارة إلى مبدأ التوحيد يواصل القول عن المعاد بطريقة رائعة . يتكوّن الاستدلال هنا على المعاد من مقدمتين : أوّلًا : يقول : « قُلْ لِّمَن مَّا فِى السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ » . ثم يقول مباشرة : أجب أنت بلسان فطرتهم وروحهم : « قُلْ لِّلَّهِ » . فبموجب هذه المقدمة يكون كل عالم الوجود ملكاً للَّهوبيده وتدبيره .