الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
90
مختصر الامثل
سبب النّزول في تفسير مجمع البيان عن ابن عباس : إنّ ابن صوريا قال لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله : يا محمّد ! ما جئتنا بشيء نعرفه ، وما أنزل اللَّه عليك من آية بيّنة فنتبعك لها . فأنزل اللَّه هذه الآية . التّفسير الناكثون من اليهود : الآية الأولى تشير إلى الآيات والعلامات والدلائل الكافية الواضحة التي توفرت لدى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وتؤكد أنّ المعرضين عن هذه الآيات البينات أدركوا في الواقع حقانية الدعوة ، لكنهم هبّوا للمعارضة مدفوعين بأغراضهم الشخصية : « وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءَايَاتٍ بَيّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ » . ثم يتطرق القرآن إلى صفة مجموعة من اليهود ، وهي صفة النكول ونقض العهود والمواثيق ، وكأنّها صفة تاريخية تلازمهم على مر العصور : « أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَايُؤْمِنُونَ » . لقد أخذ اللَّه ميثاقهم في جانب الطور أن يعملوا بالتوراة لكنهم نقضوا الميثاق ، وأخذ منهم الميثاق أن يؤمنوا بالنّبي الخاتم المذكور عندهم في التوراة فلم يؤمنوا به . الآية الأخيرة تؤكد بصراحة أكثر على هذا الموضوع : « وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَايَعْلَمُونَ » . كان أحبار اليهود يبشرون الناس قبل البعثة النبوية بالرسول الموعود ويذكرون لهم علاماته وصفاته ، فلما بعث نبي الإسلام ، أعرضوا عما جاء في كتابهم ، وكأنّهم لم يروا ولم يقرأوا ما ذكرته التوراة في هذا المجال . بحثان 1 - واضح أنّ تعبير « النزول » أو « الإنزال » بشأن القرآن الكريم لا يعني الإنتقال المكاني من الأعلى إلى الأسفل وأنّ اللَّه مثلًا في السماء وأنزل القرآن إلى الأرض ، بل التعبير يشير إلى علو مكانة رب العالمين . 2 - القرآن في حديثه عن اليهود لا يوبّخ الجميع بسبب ذنوب الأكثرية ، بل يستعمل كلمات مثل « فريق » « أكثر » ليصون حق الأقلية المؤمنة المتقية ، وطريقة القرآن هذه في حديثه عن الأمم درس لنا كي لا نحيد في أحاديثنا ومواقفنا عن الحق والحقيقة .