الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
82
مختصر الامثل
هذه هي الأسباب والعلل في تكامل وانحطاط الأمم والحضارات في منظور القرآن . وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَ فَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ( 87 ) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ( 88 ) القلوب المغلفة : الحديث في هاتين الآيتين عن بني إسرائيل ، وإن كانت المفاهيم والمعايير التي تطرحها الآيتان عامة وشاملة . تقول الآية الأولى : « وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ » . ثم تذكر بعثة الأنبياء بعد موسى مثل داود وسليمان ويوشع وزكريا ويحيى . . . « وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ » . وتشير إلى بعثة عيسى : « وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيّنَاتِ وَأَيَّدْنهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ » . لكن تعامل بني إسرائيل كان مع كل هؤلاء الأنبياء قائماً على أساس نزعات هوى النفس : « أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَاتَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ » . وكان موقفهم إمّا اغتيال شخصية النبي أو شخص النبي : « فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ » . لو كان اغتيال الشخصية كافياً لتحقيق أهدافهم الدنيئة اكتفوا بذلك ، وإن لم يكن كافياً سفكوا دمه ! الآية التالية تذكر ما كانوا يقولونه باستهزاء مقابل دعوة الأنبياء لهم أو دعوة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله : « وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ » . و « الغلف » : جمع « أغلف » أي مغلّف . نعم ، إنّها كذلك مغلفة وبعيدة عن نفوذ النور الإلهي إليها ، لأنّ أصحابها لعنوا بعد التمادي في الكفر : « بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ » . الآية تبين حقيقة هامة هي : إنّ الانغماس في الأهواء يبعد الفرد عن اللَّه ، ويسدل الحجب على قلبه ، فلا تكاد الحقيقة تجد لها طريقاً إلى نفسه . بحثان 1 - ما هو روح القدس ؟ للمفسرين آراء مختلفة في معنى روح القدس : أ ) قالوا إنّه جبرائيل ، فيكون معنى الآية على هذا إنّ اللَّه أيد عيسى بجبرائيل . ووجه تسمية جبرائيل بروح القدس ، هو أنّ جبرائيل ملك ، والجانب الروحي في