الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
71
مختصر الامثل
بالقوّة . وهذا الإرغام مؤقت هدفه كسر أنفتهم وعنادهم وغرورهم ، ومن ثم دفعهم للفكر الصحيح ، كي يؤدّوا واجباتهم بعد ذلك عن إرادة واختيار . على أي حال ، هذا الميثاق يرتبط بالمسائل العملية ، لا بالجانب الاعتقادي ، فالمعتقدات لا يمكن تغييرها بالإكراه . 3 - خذوا تعاليم السماء بقوة : خاطب اللَّه سبحانه بني إسرائيل فقال : « خُذُوا مَا ءَاتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ » . وعن هذه الآية سئل الإمام جعفر بن محمّد الصّادق عليه السلام عن المقصود من القوة في هذه الآية : أبقوة بالأبدان أم بقوة في القلوب ؟ قال : « بهما جميعاً » . وهذا الأمر الإلهي يتجه إلى كل أتباع الأديان الإلهية في كل زمان ومكان ، ويطلب منهم أن يتجهزوا بالقوى المادية والقوى المعنوية معاً ، لصيانة خط التوحيد وإقامة حاكمية اللَّه في الأرض . وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ( 65 ) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 66 ) عصاة يوم السبت : هاتان الآيتان الكريمتان تتحدثان - كالآيات السابقة - عن روح العصيان والتمرد المتغلغلة في اليهود ، والتصاقهم الشديد بالمسائل المادية : « وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِى السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِينَ » « 1 » . « فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا » . أي : جعلناها عبرة لتلك الأمة ولأمم تليها « وَمَوعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ » . ملخص الحادثة التي تشير إليها الآية : « أنّ اللَّه سبحانه أمر اليهود أن يسبتوا - أي أن يقطعوا أعمالهم - يوم السبت ، وهذا الأمر شمل طبعاً أولئك القاطنين قرب البحر الذين يعيشون على صيد الأسماك ، وشاء اللَّه أن يختبر هؤلاء ، فكثرت الأسماك يوم السبت قرب الساحل بينما ندرت في بقية الأيّام . طفق هؤلاء يتحايلون لصيد الأسماك يوم السبت . فعاقبهم اللَّه على عصيانهم ومسخهم على هيئة حيوان » « 2 » .
--> ( 1 ) « خسأ » : طرد وزجر ، ويستعمل لطرد الكلب ، وللطرد المقرون بالإستهانة يقال : إخْسأه . ( 2 ) راجع التفاصيل لدى توضيح الآيات ( 163 - 166 ) من سورة الأعراف .