الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
66
مختصر الامثل
يلفت النظر أنّ من عوارض الطاعون اضطراباً في المشي والكلام ، وهذا يتناسب مع أصل معنى « الرجز » تماماً . ومن الملفت للنظر أيضاً أنّ القرآن يؤكد أنّ هذا العذاب نزل « عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا » فقط ، ولم يشمل جميع بني إسرائيل . والآية الكريمة بعد ذلك تبين بشكل غير مباشر سنة من سنن اللَّه تعالى ، هي أنّ الذنب حينما يتعمق في المجتمع ويصبح عادة اجتماعية ، عند ذاك يقترب احتمال نزول العذاب الإلهى . وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 60 ) انفجار العيون في الصحراء : تذكير آخر بنعمة أخرى من نعم اللَّه على بني إسرائيل : وهذا التذكير تشير إليه كلمة « إذ » المقصود منها ( واذكروا إذ ) ، وهذه النعمة أغدقها اللَّه عليهم ، حين كان بنو إسرائيل في أمسّ الحاجة إلى الماء وهم في وسط صحراء قاحلة ، فطلب موسى عليه السلام من اللَّه عزّ وجلّ الماء : « وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ » فتقبل اللَّه طلبه ، وأمر نبيّه أن يضرب الحجر بعصاه : « فَقُلْنَا اضْرِبْ بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا » بعدد قبائل بني إسرائيل . وكل عين جرت نحو قبيلة بحيث أنّ كل قبيلة كانت تعرف العين التي تخصّها « قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ » . كثرت الأقوال في طبيعة الحجر الذي انفجرت منه العيون . قال بعض المفسرين : إنّ هذا الحجر كان في ثنايا الجبال المطلة على الصحراء وتدل جملة « انبجست » الواردة في الآية ( 160 ) من سورة الأعراف على أنّ المياه جرت قليلة أوّلًا ، ثم كثرت حتى ارتوى منها كل قبائل بني إسرائيل مع مواشيهم ودوابهم . ظاهرة انفجار المياه من الصخور طبيعية لكن الحادثة هنا مقرونة بالإعجاز . لقد منّ اللَّه على بني إسرائيل بإنزال المن والسلوى ، وفي هذه المرة يمنّ عليهم بالماء الذي يعز في تلك الصحراء القاحلة ، ثم يقول سبحانه لهم : « كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ » .