الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
62
مختصر الامثل
طلب عجيب : هاتان الآيتان تذكّران بني إسرائيل بنعمة إلهيّة أخرى ، كما توضحان في الوقت نفسه روح اللجاج والعناد في هؤلاء القوم ، وتبيان ما نزل بهم من عقاب إلهي ، وما شملهم اللَّه به من رحمة بعد ذلك العقاب . تقول الآية الأولى : « وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً » . هذا الطلب قد ينم عن جهل بني إسرائيل ، لأنّ إدراك الإنسان الجاهل لا يتعدّى حواسه ، ولذلك يرمي إلى أن يرى اللَّه بعينه . أو قد يحكي هذا الطلب عن ظاهرة لجاج القوم وعنادهم التي يتميزون بها دوماً . عندئذٍ شاء اللَّه سبحانه أن يرى هؤلاء ظاهرة من خلقه لا يطيقون رؤيتها ، ليفهموا أنّ عينهم الظاهرة هذه لا تطيق رؤية كثير من مخلوقات اللَّه ، فما بالك برؤية اللَّه سبحانة نزلت الصاعقة على الجبل وصحبها برق شديد ورعد مهيب وزلزال مروع ، فتركهم ، على الأرض صرعى من شدّة الخوف : « فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ » . اغتم موسى لما حدث بشدة ، لأنّ هلاك سبعين نفراً من كبار بني إسرائيل ، قد يوفّر الفرصة للمغامرين من أبناء القوم أن يثيروا ضجّة بوجه نبيهم ، لذلك تضرع موسى إلى اللَّه أن يعيدهم إلى الحياة ، فقبل طلبه وعادوا إلى الحياة : « ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » . هذه الآية تشير ضمناً إلى إمكان « الرجعة » ، أي الرجوع إلى هذه الحياة الدنيا بعد الموت ، لأنّ وقوعها في مورد يدل على إمكان الوقوع في موارد أخرى . وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 ) النعم المتنوعة : بعد أن نجا بنو إسرائيل من الفرعونيين ، تذكر الآيات ( 23 - 29 ) من سورة المائدة ، أنّ بني إسرائيل أمروا لأن يتجهوا إلى أرض فلسطين المقدسة ، لكن هؤلاء عصوا هذا الأمر ، وأصروا على عدم الذهاب ما دام فيها قوم جبارون ( العمالقة ) ، وأكثر من ذلك تركوا أمر مواجهة هؤلاء الظالمين لموسى وحده قائلين له : « فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا ههُنَا قَاعِدُونَ » « 1 » .
--> ( 1 ) سورة المائدة / 24 .