الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

562

مختصر الامثل

ثم يضيف أنّه ليس ضرورياً أن تكون الكفارة بصورة أضحية ، بل يمكن الإستعاضة عنها بواحد من اثنين آخرين : « أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ » و « أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيَامًا » . إنّ الهدف من هذه الكفارات هو : « لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ » « 1 » . ثم لمّا لم يكن لأيّحكم أثر رجعي يعود إلى الماضي ، فيقول : « عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ » . أمّا من لم يعتن بهذه التحذيرات المتكررة ولم يلتفت إلى أحكام الكفارة وكرر مخالفاته لحكم الصيد وهو محرم فإنّ اللَّه سوف ينتقم منه في الوقت المناسب : « وَمَن عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ » . بعد ذلك يتناول الكلام صيد البحر : « أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ » . والمقصود من الطعام في الآية هو ما يهيّأ للأكل من سمك الصيد إذ أنّ الآية تريد أن تحلل أمرين : الأوّل هو الصيد ، والثاني هو الطعام المتخذ من هذا الصيد . ثم تشير الآية إلى الحكمة في هذا الحكم وتقول : « مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ » . أي لكيلا تعانوا المشقة في طعامكم وأنتم محرمون ، فلكم أن تستفيدوا من نوع واحد من الصيد ، ذلكم هو صيد البحر . وللتوكيد تعود الآية إلى الحكم السابق مرّة أخرى وتقول : « وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا » . ولتوكيد جميع الأحكام التي ذكرت ، تقول الآية في الخاتمة : « وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ » . حكمة تحريم الصيد حال الإحرام : معلوم أنّ الحج والعمرة من العبادات التي تفصل الإنسان عن عالم المادة وتنقله إلى محيط ملىء بالمعنويات ، فخصوصيات الحياة المادية ، والجدال والخصام ، والرغبات الجنسية ، واللذائذ المادية كلها تنفصل عن الإنسان في مناسك الحج والعمرة ، ويبدأ الإنسان ضرباً من الرياضة الإلهية المشروعة ، ويبدو أنّ تحريم صيد البرّ في حال الإحرام يرمي إلى الهدف نفسه . ثم لو أحلّ الصيد لزائري بيت اللَّه الحرام ، مع الأخذ بنظر الاعتبار كثرة الزوار وكثرة ترددهم في كل سنة على هذه الأرض المقدسة ، لقضي على وجود الكثير من الحيوانات

--> ( 1 ) « وبال » : من « الوبل والوابل » وهو المطر الغزير ، ثم اطلق على العمل الشاق الجسيم ، ولمّا كان العقاب شديداً وثقيلًا عادة ، فقد وصف بأنّه « وبال » .