الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
548
مختصر الامثل
تعقيباً على البحوث الماضية بشأن انحرافات اليهود التي مرّت في الآيات السابقة ، تتحدّث هذه الآيات والتي تليها عن انحرافات المسيحيين ، فتبدأ أوّلًا بأهم تلك الانحرافات ، أي « تأليه المسيح » و « تثليث المعبود » : « لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ » . وأيّ كفر أشدّ من أن يجعلوا اللَّه اللامحدود من جميع الجهات متحداً مع مخلوق محدود من جميع الجهات ، وأن يصفوا الخالق بصفات المخلوق ، مع أنّ المسيح عليه السلام نفسه يعلن صراحة لبني إسرائيل : « يَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ » وبهذا يستنكر كل لون من ألوان الشرك ، ويرفض الغلوّ في شخصه ويعتبر نفسه مخلوقاً كسائر مخلوقات اللَّه . ولكي يشدد المسيح التوكيد على هذا الأمر ، وليزيل كل إبهام وخطأ ، يضيف قائلًا : « إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَيهُ النَّارُ » . ويمضي في التوكيد وإثبات أنّ الشرك والغلو ضرب من الظلم الواضح ، فيقول أيضاً : « وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ » . فإنّ ما ورد في الآية المذكورة عن إصرار المسيح عليه السلام على مسألة التوحيد إنّما ينسجم مع المصادر المسيحية الموجودة ويعتبر من دلائل عظمة القرآن . وينبغي الالتفات إلى أنّ الموضوع الذي تتناوله الآية هو الغلو ووحدة المسيح باللَّه ، أو بعبارة أخرى هو « التوحيد في التثليث » ولكن الآية التالية تشير إلى مسألة « تعدد الآلهة » في نظر المسيحيين ، أي « التثليث في التوحيد » وتقول : إنّ الذين قالوا إنّ اللَّه ثالث الأقانيم « 1 » الثلاثة لا ريب أنّهم كافرون : « لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلثَةٍ » . ويردّ القرآن عليهم ردّاً قاطعاً فيقول : « وَمَا مِن إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ وَاحِدٌ » . وفي ذكر « من » قبل « إله » نفي أقوي لأيّمعبود آخر . ثم ينذرهم بلهجة قاطعة : « وَإِنْ لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » . في الآية الثالثة يدعوهم القرآن إلى أن يتوبوا عن هذه العقيدة الكافرة لكي يغفر لهم اللَّه تعالى ، فيقول : « أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » .
--> ( 1 ) « الأقنوم » : بمعنى الأصل والذات ، جمعها « أقانيم » .