الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
542
مختصر الامثل
الأكثرية في أخطائها ، فتقول الآية الأولى في البدء : « وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيَاتِهِمْ » . بل ذهبت إلى أبعد من هذا فوعدتهم بالجنة ونعيمها ، إذ قالت : « وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتٍ النَّعِيمِ » وهذه إشارة إلى النعم المعنوية الأخروية . ثم تشير الآية الثانية إلى الأثر العميق الذي يتركه الإيمان والتقوى ، في الحياة الدنيوية للإنسان ، فتؤكّد أنّ أهل الكتاب لو طبّقوا التوراة والإنجيل وجعلوهما منهاجاً لحياتهم وعملوا بكل ما نزل عليهم من ربّهم ، سواء في الكتب السماوية السابقة أم في القرآن ، دون تمييز أو تطرّف لغمرتهم النعم الإلهية من السماء والأرض ، فتقول الآية : « وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَيةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم » . وبديهي أنّ المراد من إقامة التوراة والإنجيل هو إتّباعهم لما بقي من التوراة والإنجيل الحقيقيين في أيديهم في ذلك العصر . إنّ الآية الأخيرة تؤكد مرّة أخرى هذا المبدأ الأساسي القائل بأنّ اتّباع التعاليم السماوية التي جاء بها الأنبياء ، ليس لإعمار الحياة الآخرة التي تأتي بعد الموت فحسب ، بل إنّ لها - أيضاً - انعكاسات واسعة على الحياة الدنيوية المادية للإنسان ، فهي تقوّي الجماعات وتعزز صفوفها وتكثّف طاقاتها ، وتغدق عليها النعيم وتضاعف امكانياتها وتضمن لها الحياة السعيدة المقترنة بالأمن والاستقرار . ولو ألقينا نظرة على الثروات الطائلة والطاقات البشرية الهائلة التي تهدر اليوم في عالم الإنسان نتيجة للانحراف عن هذه التعاليم ، في صنع وتكديس أسلحة فتّاكة ، وفي صراعات لا مبرر لها ومساع هدّامة ، لرأينا أنّ ذلك كله دليل حيّ على هذه الحقيقة ، حيث إنّ الثروات التي تستخدم لإشاعة الدمار في هذا العالم - إذا أمعنا النظر جيداً - إن لم تكن أكثر حجماً من الثروات التي تنفق في سبيل البناء ، فهي ليست بأقل منها . إنّ العقول المفكّرة التي تسعى وتعمل جاهدة - اليوم - لإكمال وتوسيع انتاج الأسلحة الحربية ، ولتوسيع بقعة النزاعات الاستعمارية ، إنّما تشكّل جزءاً مهمّاً من الطاقات البشرية الخلّاقة التي طالما احتاجها المجتمع البشري لرفع احتياجاته ، وكم سيصبح وجه الدنيا جميلًا وجذّاباً لو كانت كل هذه الطاقات تستغل في سبيل الإعمار ؟ وفي الختام تشير الآية الكريمة إلى الأقلية الصالحة من أهل الكتاب الذين اختاروا طريق الإعتدال في حياتهم خلافاً لنهج الأغلبية المنحرفة ، فعزل اللَّه حسابهم عن حساب