الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
539
مختصر الامثل
الآية الأولى من هذه الآيات الثلاث - واستكمالًا للبحث الذي تناولته الآيات السابقة حول المنافقين - تكشف عن ظاهرة الإزدواجية النفاقية عند هؤلاء ، وتنبّه المسلمين إلى أنّ المنافقين حين يأتونهم يتظاهرون بالإيمان وقلبهم يغمره الكفر ، ويخرجون من عندهم المسلمين ولا يزال الكفر يملأ قلوبهم ، حيث لا يترك منطق المسلمين واستدلالهم وكلامهم في نفوس هؤلاء المنافقين أيّ أثر يذكر ، تقول الآية الكريمة : « وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ » . ثم تبيّن الآية الأخرى علائم من نوع آخر للمنافقين ، فتشير إلى أنّ كثيراً من هؤلاء في انتهاجهم طريق العصيان والظلم وأكل المال الحرام ، يتسابقون بعضهم مع بعضهم الآخر تقول الآية : « وَتَرَى كَثِيرًا مّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ » . أي إنّ هؤلاء يسرعون الخطى في طريق المعاصي والظلم ، وكأنّهم يسعون إلى أهداف تصنع لهم الفخر والمجد ، ويتسابقون فيما بينهم في هذا الطريق دون خجل أو حياء . في الختام لكي يؤكد القرآن قبح هذه الأعمال ، قالت الآية : « لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ » . بعد ذلك تحمل الآية الثالثة على علمائهم الذين أيّدوا قومهم على ارتكاب المعاصي بسكوتهم ، فتقول : « لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ » . وفي الختام ، يمارس القرآن الكريم نفس أسلوب الذم الذي إتّبعه مع أهل المعاصي الحقيقيين ، فيذمّ العلماء الساكتين الصامتين التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويقبّح صمتهم هذا ، كما تقول الآية : « لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ » . وهكذا تبيّن أنّ مصير الذين يتخلّون عن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العظيمة - وخاصة إن كانوا من العلماء - يكون كمصير أصحاب المعاصي ، وهؤلاء شركاء في الذنب مع العاصين . في تفسير المنار روي عن ابن عباس أنّه قال : ما في القرآن أشدّ توبيخاً من هذه الآية أي فهي حجة على العلماء إذا قصروا في الهداية والارشاد وتركوا النهي عن البغي والفساد . وبديهي أنّ هذا الحكم لا ينحصر في علماء اليهود والنصاري ، بل يشمل كل العلماء مهما كانت دياناتهم إن هم سكتوا وصمتوا أمام تلوّث مجتمعاتهم بالذنوب وتسابق الناس في الظلم والفساد ، ذلك لأنّ حكم اللَّه واحد بالنسبة لجميع البشر .