الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
512
مختصر الامثل
بعد ذلك تذكر الآية أنّ ما نال بني إسرائيل من عذاب في تلك المدّة ، كان مناسباً لما فعلوه ، وتطلب من موسى عليه السلام أن لا يحزن على المصير الذي لا قوه حيث تقول الآية الكريمة : « فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ » . وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 27 ) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ( 28 ) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ( 29 ) أوّل حادثة قتل على الأرض : لقد تناولت هذه الآيات الثلاث الأخيرة قصة ولدي آدم عليه السلام وكيف قتل أحدهما أخاه ، ولعل وجه الصلة بين هذه الآيات والآيات التي سبقتها في شأن بني إسرائيل ، هو غريزة « الحسد » التي كانت دائماً أساساً للكثير من مخالفات وانتهاكات بني إسرائيل حيث يحذرهم اللَّه في هذه الآيات من مغبة وعاقبة الحسد الوخيمة القاتلة ، التي تؤدّي أحياناً إلى أن يعمد أخ إلى قتل أخيه ! والآية تقول في هذا المجال لنبيّ اللَّه أن يتلو على قومه قصّة ولدي آدم : « وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقّ » . ولعلّ استخدام كلمة « بالحقّ » في هذه الآية جاء للإشارة إلى أنّ القصّة المذكورة قد أضيفت لها خرافات مختلفة ، ولبيان أنّ القرآن الكريم جاء بالقصة الحقيقية التي حصلت بين ولدي آدم عليه السلام . وتواصل الآية سرد القصّة فتقول : « إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْأَخِرِ » . وقد أدت هذه الواقعة إلى أن يهدد الأخ - الذي لم يتقبل اللَّه القربان منه - أخاه بالقتل ويقسم أنّه قاتله لا محالة ، كما جاء في قوله تعالى في الآية : « قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ » . أمّا الأخ الآخر فقد نصح أخاه مشيراً إلى أنّ عدم قبول القربان منه إنّما نتج عن علّة في عمله ، وأنّه ليس لأخيه أي ذنب في رفض القربان ، مؤكّداً أنّ اللَّه يقبل أعمال المتقين فقط حيث تقول الآية : « قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ » . وأكد له أنّه لو نفذ تهديده وعمد إلى قتله ، فإنّه - أي الأخ الذي تقبل اللَّه منه القربان - لن