الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

47

مختصر الامثل

جواب على سؤالين : ويبقى سؤالان في هذا المجال ، الأوّل يدور حول تعليم اللَّه لآدم ، كيف تم ذلك ؟ ولو قُدر أن يكون هذا التعليم من نصيب الملائكة لنالوا نفس فضيلة آدم ، فهل هناك مفخرة يمتلكها آدم ولا تمتلكها الملائكة ؟ أمّا بشأن كيفية التعليم فالجواب هو أنّ هذا التعليم تكويني ، أي إنّ اللَّه أودع هذا العلم في وجود آدم بالقوة ، ودفعه خلال مدة قصيرة إلى المرحلة الفعلية . إطلاق كلمة « تعليم » في القرآن على « التعليم التكويني » ورد في موضع آخر من القرآن ، كقوله تعالى : « عَلَّمَهُ الْبَيَانَ » « 1 » . وواضح أنّ اللَّه سبحانه علّم الإنسان البيان في مدرسة الخلقة ، أي منحه الكفاءة والخصائص الفطرية اللازمة للبيان والكلام . أما الشطر الآخر من هذا السؤال فيتبين جوابه لو علمنا أنّ الملائكة كانت لهم خلقة خاصة ، ما كانت تؤهلهم لتلقي كل هذه العلوم . إنّهم مخلوقون لهدف آخر ، لا لهذا الهدف ، وهذه الحقيقة فهمها الملائكة وتقبلوها بعد أن مروا بتلك التجربة المذكورة في الآية . ولعلهم اعتقدوا في البداية أنّهم يحملون الكفاءة اللازمة لهذا الهدف ، لكن اللَّه بيّن لهم الفرق بين كفاءتهم وكفاءة آدم بتجربة تعليم الأسماء . وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( 34 ) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 ) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ( 36 ) آدم عليه السلام في الجنة : ينتقل القرآن إلى فصل آخر من موضوع عظمة الإنسان ويقول : « وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلِكَةِ اسْجُدُوا لِأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ » . لو أمعنّا النظر في آيات القرآن الكريم لألفينا أنّ موضوع السجود لآدم جاء بعد اكتمال خلقة الإنسان مباشرة ، وقبل امتحان الملائكة . إنّ الآية المذكورة تقرير قرآني واضح صريح لشرف الإنسان وعظمة مكانته ، فكل الملائكة يؤمرون بالسجود له بعد اكتمال خلقته .

--> ( 1 ) سورة الرّحمن / 4 .