الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

458

مختصر الامثل

وبهذه الصورة يعمد القرآن إلى نبذ كل العصبيات بكل بساطة ، معتبراً الاعتبارات والارتباطات المصطنعة الخيالية والاجتماعية والعرقية وأمثالها خاوية من كل قيمة إذا قيست برسالة دينية ، ويعتبر الإيمان بمباديء الرسالة والعمل بأحكامها هو الأساس . وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ( 125 ) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً ( 126 ) لقد تحدثت الآيات السابقة عن أثر الإيمان والعمل ، كما بيّنت أنّ إتّباع أي مذهب أو شريعة غير شرع اللَّه لا يغني عن الإنسان شيئاً ، والآية الحاضرة تداركت كل وهم قد يطرأ على الذهن من سياق الآيات السابقة ، فأوضحت أفضيلة شريعة الإسلام وتفوقها على سائر الشرائع الموجودة ، حيث قالت : « وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرهِيمَ حَنِيفًا » . لقد بيّنت الآية - موضوع البحث - اموراً ثلاثة تكون مقياساً للتفاضل بين الشرائع وبياناً لخيرها : 1 - الاستسلام والخضوع المطلق للَّه‌العزيز القدير ، حيث تقول الآية : « أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ » . 2 - فعل الخير ، كما تقول الآية : « وَهُوَ مُحْسِنٌ » . والمقصود بفعل الخير - هنا - كل خير يفعله الإنسان بقلبه أو لسانه أو عمله . 3 - إتّباع شريعة إبراهيم النقية الخالصة ، كما في الآية : « وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرهِيمَ حَنِيفًا » « 1 » . ودليل الاعتماد على شريعة إبراهيم ما ذكرته الآية نفسها في آخرها ، إذ تقول : « وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرهِيمَ خَلِيلًا » . بعد ذلك تتحدث الآية التالية بملكية اللَّه والمطلقة وإحاطته بجميع الأشياء ، حيث تقول :

--> ( 1 ) « ملّة » : تعني « الشريعة أو الدين » والفرق بين الملّة والدين أنّ الأولى لا تنسب إلى اللَّه ، أي لا يقال « ملّة اللَّه » ويمكن أن تضاف إلى النّبي بينما كلمة الدين أو الشريعة يمكن أي يضافا إلى لفظ الجلالة فيقال : « دين اللَّه » أو « شريعة اللَّه » كما يمكن إضافتهما إلى النّبي أيضاً . و « حنيف » : تعني الشخص الذي يترك الأديان الباطلة ويتبع دين الحق .