الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
447
مختصر الامثل
التّفسير أعقبت الآية - موضوع البحث هذه - الآيات السابقة التي تحدثت عن الجهاد والهجرة واستهدفت إحياء روح التضحية والفداء لدى المسلمين بقولها : « وَلَا تَهِنُوا فِى ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ » . وهذا تأكيد على ضرورة أن لا يواجه المسلمون عدوهم اللدود بأسلوب دفاعي ، بل عليهم أن يقابلوا هذا العدو بروح هجومية دائماً . بعد ذلك تأتي الآية باستدلال حي وواضح للحكم الذي جاءت به ، فتسأل المسلمين لماذا الوهن ؟ فأنتم حين يصيبكم ضرر في ساحة الجهاد فإنّ عدوكم سيصيبه هو الآخر سهم من هذا الضرر ، مع فارق هو أنّ المسلمين يأملون أن يعينهم اللَّه ويشملهم برحمته الواسعة ، بينما الكافرون لا يرجون ولا يتوقعون ذلك ، حيث تقول الآية : « إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَايَرْجُونَ » . وفي الختام - ومن أجل إعادة التأكيد - تطلب الآية من المسلمين أن لا ينسوا علم اللَّه بجميع الأمور ، فهو يعلم معاناة المسلمين ومشاكلهم وآلامهم ومساعيهم وجهودهم ، ويعلم أنّهم أحياناً يصابون بالتهاون والفتور ، فتقول الآية : « وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا » وسيرى المسلمون نتيجة كل الحالات تلك . إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً ( 105 ) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 106 ) سبب النّزول في تفسير مجمع البيان : نزلت في بني الأبيرق وكانوا ثلاثة اخوه : بشر ، وبشير ، ومبشّر . وكان بشير يكنى أبا طعمة ، وكان يقول الشعر ، يهجو به أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، ثم يقول : قاله فلان . وكانوا أهل حاجة في الجاهلية والإسلام ، فنقب أبو طعمة على عِليّة رفاعة بن زيد . وأخذ له طعاماً وسيفاً ودرعاً فشكا ذلك إلى أخيه قتادة بن النعمان ، وكان قتادة بدرياً فتجسسا في الدار ، وسألا أهل الدار في ذلك ، فقال بنو أبيرق : واللَّه ما صاحبكم إلّا لبيد بن سهل ، رجل ذو حسب ونسب . فأصلَتَ عليهم لبيد بن سهل سيفه ، وخرج إليهم وقال : يا بني أبيرق أترمونني بالسّرَق ، وأنتم أولى به مني ، وأنتم منافقون تهجون رسول اللَّه ، وتنسبون ذلك إلى قريش ! لتبيننّ ذلك ، أو لأضعنّ سيفي فيكم ! فداروه وأتى قتادة رسول