الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
421
مختصر الامثل
الوسيلة التي يستعان بها لدفع الخطر . أمّا كلمة « ثبات » : فتفيد معنى المجموعات المتفرقة . والقرآن يخاطب عامة المسلمين في الآية المذكورة أعلاه ، ويقدم لهم اثنتين من التعاليم اللازمة لصيانة وجود المسلمين والمجتمع الإسلامي تجاه كل خطر يهدد هذا الوجود . ففي البداية تأمر الآية المؤمنين بالتمسك باليقظة والبقاء في حالة التأهب من أجل مواجهة العدو وتحذرهم من الغفلة عن هذا الامر : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ » . ثم تأمر الآية بالاستفادة من الأساليب والتكتيكات المختلفة في مواجهة العدو ، من ذلك الزحف على شكل مجموعات إن تطلب الأمر مثل هذا الأسلوب ، أو على شكل جيش موحّد مترابط إن استدعت المواجهة هجوماً شاملًا منسجماً وفي كلتا الحالتين لابد من المواجهة الجماعية « فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا » . الآية الكريمة هذه تشتمل على أمر عام مطلق لجميع المسلمين في كل العصور والأزمنة ، ويدعو هذا الأمر المسلمين إلى الالتزام باليقظة والاستعداد الدائم لمواجهة أي طارىء من جانب الأعداء ولحماية أمن الأمة ، وذلك عن طريق التحلّي بالاستعداد المادي والمعنوي الدائمين . وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً ( 72 ) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ( 73 ) بعد صدور الأمر العام إلى المسلمين بالجهاد والاستعداد لمقابلة العدوّ في الآية السابقة تبين هاتان الآيتان موقف المنافقين من الجهاد ، وتفضح تذبذبهم ، فهم يصرّون على الامتناع عن المشاركة في صفوف المجاهدين في سبيل اللَّه . . . « وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ » « 1 » . وحين يعود المجاهدون من ميدان القتال أو حين تصل أنباء معاركهم ، فإن كان قد أصابهم مكروه في قتالهم يتحدث المنافقون بابتهاج بأنّ اللَّه قد أنعم عليهم نعمة كبيرة إذ لم يشاركوا المجاهدين في ذلك القتال ، ويفرحون لعدم حضورهم في مشاهد الحرب الرهيبة
--> ( 1 ) « ليبطّئنّ » : من « البطء » في الحركة ، وهو فعل لازم ومتعد . أي أنّهم يبطّؤون في حركتهم ويدعون الآخرين إلى البطء ، ولعلّ استعمال الفعل في باب التفعيل هنا يعني أنّه متعد فقط ، أي إنّهم يدفعون أنفسهم إلى البطء تارةً ويدفعون الآخرين إلى ذلك تارةً أخرى .