الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
391
مختصر الامثل
ولهذا يستدل بها فقهاء الإسلام في جميع أبواب المعاملات والمبادلات المالية . إنّ هذه الآية تخاطب المؤمنين بقولها : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَاتَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ » . وعلى هذا الأساس يندرج تحت هذا العنوان الكلي كل لون من ألوان العدوان ، والغش ، وجميع المعاملات الربوية ، والمعاملات المجهولة الخصوصيات تماماً ، وتعاطي البضائع التي لا فائدة فيها بحكم العقلاء ، والتجارة بأدوات اللهو والفساد والمعصية وما شاكل ذلك . إنّ التعبير ب « الأكل » كناية عن كل تصرف ، سواء تمّ بصورة الأكل المتعارف أو اللبس ، أو السكنى أو غير ذلك ، تعبير رائج في اللغة العربية وغير العربية . ثم إنّ اللَّه سبحانه يقول معقباً على العبارات السابقة : « إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مّنكُمْ » . ثم إنّه تعالى ينهى في ذيل هذه الآية عن قتل الإنسان لنفسه إذ يقول : « وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ » . وظاهر هذه الجملة بقرينة قوله : « إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا » . النهي عن الانتحار ، يعني أنّ اللَّه الرحيم كما لا يرضى بأن تقتلوا أحداً ، كذلك لا يسمح لكم ولا يرضى بأن تقتلوا أنفسكم بأيديكم . ويشير القرآن بذكر هذين الحكمين بصورة متتالية إلى نكتة اجتماعية مهمة ، وهي أنّ العلاقات الاقتصادية في المجتمع إذا لم تكن قائمة على أساس صحيح ، ولم يتقدم الاقتصاد الاجتماعي في الطريق السليم ، ووقع الظلم والتصرف العدواني في أموال الغير أصيب المجتمع بنوع من الانتحار ، وآل الأمر إلى تصاعد حالات الانتحار الفردي مضافاً إلى الانتحار الجماعي الذي هو من آثار الانتحار الفردي ضمناً . كما حذّر قائلًا : « وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَانًا وَظُلمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا » « 1 » . أي إنّ من يعصي هذه الأحكام ويتجاهل هذا التحذير ، ويأكل أموال الآخرين بالباطل ودون استحقاق ، أو ينتحر بيديه لم يصبه العذاب الأليم في الدنيا فحسب ، بل ستصيبه نار الغضب الإلهي ، وهذا أمر هيّن على اللَّه : « وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا » .
--> ( 1 ) « الصلي » : يعني في الأصل الإقتراب إلى النار ، ويطلق على التدفؤ والإحتراق والإكتواء بالنار أيضاً ، وقداستعملت في الآية الحاضرة في معنى الاحتراق بالنار .