الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
381
مختصر الامثل
سبب النّزول في تفسير الصافي : كان الرجل إذا أراد جديدة بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجأها إلى الإفتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوّج الجديدة فنهوا عن ذلك . التّفسير نزلت الآيتان الحاضرتان لتحميا قسماً آخر من حقوق المرأة ، فقد جاءت الآية الأولى تقول : « وَإِن أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَيهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيًا » . فهي تخبر المسلمين - إذا عزموا على تطليق الزوجة واختيار زوجة أخرى - أنّه لا يحق لهم أبداً أن يبخسوا من صداق الزوجة الأولى شيئاً أو يستردوا شيئاً من الصداق إذا كانوا قد سلّموه إلى الزوجة مهما كان مقداره كثيراً وثقيلًا . ثم إنّ الآية تشير في مقطعها الأخير إلى الأسلوب السائد في العهد الجاهلي حيث كان الرجل يتّهم زوجته بالخيانة الزوجية لحبس الصداق عنها ، إذ تقول في استفهام إنكاري : « أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا » . أي : هل تأخذون صداق الزوجة عن طريق بهتهنّ ، واتهامهنّ بالفاحشة ، وهو إثم واضح ومعصية بيّنة ، وهذا يعني أنّ أصل حبس الصداق عن الزوجة ظلم ومعصية ، والتوسل لذلك بمثل هذه الوسيلة الأثيمة معصية أخرى واضحة ، وظلم آخر بيّن . ثم أضاف سبحانه بهدف تحريك العواطف الإنسانية لدى الرجال بأنّه كيف يحق لكم ذلك ، وقد عشتم مع الزوجة الأولى زمناً طويلًا ، وكانت لكم معهن حياة مشتركة ، واختليتم بهن واستمتع كل واحد منكما بالآخر كما لو كنتما روحاً واحدة في جسمين ، أفبعد ما كانت بينكما هذه العلاقة الزوجية الحميمة يحق لكم - أيّها الأزواج - أن تبخسوا حق الزوجة الأولى ؟ وقد لخصّ سبحانه كل هذه بقوله : « وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ » « 1 » . أفيصح أن تفعلوا ذلك وكأنّكما غريبان لا رباط بينكما ولا علاقة ؟ ثم إنّه سبحانه تعالى : « وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَاقًا غَلِيظًا » . أي : كيف تبخسون الزوجة حقها في الصداق وقد أخذت منكم - لدى عقد الزواج بينكما - ميثاقاً غليظاً وعهداً موثقاً بأن
--> ( 1 ) « الإفضاء » : أصله من الفضاء ، وهو السعة ، وبذلك يكون معنى الإفضاء إيجاد السعة ، لأنّ الإنسان بسبب الاتصال والتعايش مع شخص آخر يكون وكأنّه وسع دائرة وجوده ، ولهذا استعمل الإفضاء بمعنى الملامسة والإتّصال .