الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

377

مختصر الامثل

ثم أضاف القرآن : « مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ » . أي : تكون قسمة الميراث هكذا بعد أن ينفذ الورثة من التركة ما أوصى به المتوفى ، أو يسددوا ما عليه من ديون ، ثم قال : « غَيْرَ مُضَارٍّ » . أي : فيما إذا لم يكن ما أوصى الميت بصرفه من الميراث وكذا الدين مضرّاً بالورثة . ثم إنّه سبحانه للتأكيد على هذا الحكم يقول : « وَصِيَّةً مّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ » . أي إنّ هذا المطلب وصية من اللَّه يجب أن تحترموها ، لأنّه العالم بمصلحتكم وخيركم ، فهو أمركم بهذا عن حكمة ، كما أنّه تعالى عالم بنيات الأوصياء ، هذا مع أنّه تعالى حليم لا يعاقب العصاة فوراً ، ولا يأخذهم بظلمهم بسرعة . تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 13 ) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ( 14 ) قد بدأت الآية الأولى من هاتين الآيتين بالإشارة إلى قوانين الإرث التي مرّت في الآيات السابقة بلفظة « تلك » إذ قال سبحانه : « تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ » . أي تلك حدود اللَّه التي لا يجوز تجاوزها وتجاهلها لأحد ، فإنّ من تعدى هذه الحدود كان عاصياً مذنباً . ثم بعد الإشارة إلى هذا القسم من حدود اللَّه يقول سبحانه : « وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا » . وهو بذلك يشير إلى النتيجة الأخروية للالتزام بحدود اللَّه واحترامها . ثم يصف هذه النتيجة الأخروية بقوله : « وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » . ثم يذكر سبحانه ما يقابل هذا المصير في صورة المعصية ، وتجاوز الحدود الإلهية إذ يقول : « وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا » . وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ( 15 ) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً ( 16 )