الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
372
مختصر الامثل
حكم أخلاقي : نزلت الآية الحاضرة بعد قانون تقسيم الإرث ويتضمن محتوى هذه الآية حكماً أخلاقياً إستحبابياً في شأن طبقات محجوبة عن الإرث بسبب وجود طبقات أقرب منها إلى المورث . إنّ كلمتي « اليتامى » و « المساكين » وإن ذكرتا بنحو مطلق في هذه الآية ، غير أنّ الظاهر هو أنّ المراد منهما هم اليتامى والمساكين من قربى الميت . ثم إنّه سبحانه يختم هذه الآية بدستور أخلاقي إذ يقول : « وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا » . يعني أنّه مضافاً إلى تقديم مساعدة مادية إلى هؤلاء اشفعوا ذلك بموقف أخلاقي واستفيدوا من المعين الإنساني لكسب مودتهم ، وحتى لا يبقى في قلوبهم أي شعور عدائي تجاهكم ، وهذا الدستور علامة أخرى ودليل آخر على أنّ الأمر بإعطاء شيء من الميراث إلى اليتامى والمساكين إنّما هو على نحو الندب لا الوجوب . وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ( 9 ) دعوة إلى العطف على اليتامى : يشير القرآن الكريم - بهدف إثارة مشاعر العطف والإشفاق لدى الناس بالنسبة إلى اليتامى - إلى حقيقة يغفل عنها الناس أحياناً ، وتلك الحقيقة هي : إنّ على الإنسان أن يعامل يتامى الآخرين كما يحبّ أن يعامل الناس يتاماه . وعلى هذا يكون مفهوم قوله سبحانه : « وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ » . هو أنّ الذين يخافون على مستقبل أولادهم الصغار عليهم أن يخافوا مغبة الخيانة في شؤون اليتامى ويخافوا مغبة إيذائهم . وأساساً : إنّ القضايا الاجتماعية تنتقل في شكل سنّة من السنن - من اليوم إلى الغد ، ومن الغد إلى المستقبل البعيد ، فالذين يُروّجون في المجامع سنّة ظالمة مثل إيذاء اليتامى فإنّ ذلك سيكون سبباً لسريان هذه السنّة على أولادهم وأبنائهم أيضاً ، وعلى هذا لا يكون مثل هذا الشخص قد آذى يتامى الآخرين وورثتهم فقط ، بل فتح باب الظلم على أولاده ويتاماه أيضاً . لهذا وجب أن يتجنّب أولياء اليتامى مخالفة الأحكام الإلهية ، ويتقوا اللَّه في اليتامى ويقولوا لهم قولًا عدلًا موافقاً للشرع والحق ، قولًا ممزوجاً بالعواطف الإنسانية والمشاعر