الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
359
مختصر الامثل
ستكون محطتهم الأخيرة ومآلهم وبئس المآل . إنّ أكثر مظاهر تفوّق هؤلاء العصاة الطّغاة الظالمين محدودة الأبعاد ، كما أنّ متاعب أكثر المؤمنين ومشاكلهم ومحنهم كذلك مؤقتة ، ومحدودة أيضاً . ولهذا لا يمكن ( أو لا تصح ) المقارنة والمقايسة بين هؤلاء وهؤلاء لأنّ النجاحات المادية التي يحرزها بعض العصاة والفاسقين إنّما هي لكونهم لا يتقيّدون في جمع الثّروة بأي قيد أو شرط ، فهم يجمعون المال من كل سبيل ، سواء كان مشروعاً أم غير مشروع ، حراماً كان أم حلالًا ، بل إنّهم يجوّزون لأنفسهم اكتناز الثروة ، في حين يتقيّد المؤمنون بمبادىء الحق والعدالة في هذا المجال ، فلا يسوّغون لِأنفسهم بأن يكتسبوا المال من أي طريق كان ، وأي سبيل اتفق . ثم إنّ اللَّه سبحانه بعد أن بيّن مصير الكفار في الآية السابقة ، بيّن هنا - في الآية التي تلت تلك الآية - مصير المؤمنين ، إذ قال : « لكِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا » . أي إنّ الذين اتبعوا موازين الحق والعدل في الوصول إلى المكاسب المادية ، أو أنّهم بسبب إيمانهم تعرضوا للحصار الاقتصادي والاجتماعي ولكنهم مع ذلك بقوا ملتزمين بالتقوى ، فإنّه تعالى سيعوّضهم عن كل ذلك بجنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها « نُزُلًا مّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ » . وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 199 ) سبب النّزول في تفسير مجمع البيان : اختلفوا في نزولها فقيل : نزلت في النجاشي ملك الحبشة وذلك أنّه لمّا مات نعاه جبرائيل لرسول اللَّه في اليوم الذي مات فيه ، فقال رسول اللَّه : « اخرجوا فصلّوا على أخ لكم مات بغير أرضكم » . قالوا : ومن ؟ قال : « النجاشي » . فخرج رسول اللَّه إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة ، فأبصر سرير النجاشي ، وصلّى عليه . فقال المنافقون : انظروا إلى هذا يصلّي على عِلْج نصراني حبشي لم يره قطّ وليس على دينه ! فأنزل اللَّه هذه الآية .