الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
355
مختصر الامثل
أوضح السبل لمعرفة اللَّه : آيات القرآن الكريم ليست للقراءة والتلاوة فقط ، بل نزلت لكي يفهم الناس مقاصدها ويدركوا معانيها ، وما التلاوة والقراءة إلّامقدمة لتحقيق هذا الهدف ، أي التفكر والتدبر والفهم ، ولهذا جاء القرآن في الآية الأولى من الآيات الحاضرة يشير إلى عظمة خلق السماوات والأرض ، ويقول : « إِنَّ فِى خَلْقِ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلفِ الَّيلِ وَالنَّهَارِ لَأَيَاتٍ لِأُولِى الْأَلْبَابِ » . إنّ هذا النقش الساحر الآسر للقلوب ، المبثوث في كل ناحية من نواحي هذا الكون العريض يشدّ إلى نفسه فؤاد كل لبيب وعقله شدّاً - يجعله يتذكر خالقه ، في جميع الحالات ، قائماً أو قاعداً ، وحين يكون في فراشه نائماً على جنبه ، ولهذا يقول سبحانه : « الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ » . أي إنّهم مستغرقون كامل الاستغراق في التفكير الحيوي حول هذا الكون الرائع ونظامه البديع ومبدعه ، ومبديه . ولقد أشير - في هذه الآية - إلى الذكر أوّلًا ، ثم إلى الفكر ثانياً ، ويعني ذلك أنّ ذكر اللَّه وحده لا يكفي ، إنّ الذكر إنّما يعطي ثماره القيّمة إذا كان مقترناً بالفكر ، كما أنّ التفكر في خلق السماء والأرض هو الآخر لا يُجدي ولا يوصل إلى النتيجة المتوخاة ما لم تقترن عملية التفكر بعملية التذكر . إنّ العقلاء يواجهون هذه الحقيقة الساطعة إلّاأن يقولوا بخشوع هذه الجملة : « رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ » . إنّ أصحاب العقول السليمة الواعية بعد أن يعترفوا بالهدفية في الخليقة يتذكرون أنفسهم فوراً ويسألون اللَّه التوفيق للقيام بها حتى يتجنّبوا عقابه ولهذا يقول : « فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ » . ثم يقول : « رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ » . ويستفاد من هذه العبارات أنّ العقلاء يخافون من الخزي قبل أن يخافوا من نار جهنم ، وهذا هو حال كل من يمتلك شخصية ، فإنّ أشدّ عقوبات الآخرة على هؤلاء هو الخزي في محضر اللَّه وعند عباده . على أنّ النقطة الجديرة بالاهتمام التي تنطوي عليها جملة « وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ » هي