الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
334
مختصر الامثل
النبي صلى الله عليه وآله غير محققة ولا صادقة وكان يقول بعضهم للآخر : « هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَىْءٍ » . أي هل سيصيبنا النصر ونحن في هذه الحالة من السقوط والهزيمة ، والمحنة والبلية ؟ إنّهم كانوا يستبعدون أن ينزل عليهم نصر من اللَّه بعد ما لقوا ، أو كانوا يرون ذلك محالًا . ولكن القرآن يجيبهم قائلًا : « قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ » . أي كيف تستبعدون ذلك أو ترونه محالًا والأمر كله بيد اللَّه ، وهو قادر أن ينزل عليكم النصر متى وجدكم أهلًا لذلك . على أنّهم لم يظهروا كل ما كان يدور في خلدهم من ظنون وأوهام وهواجس خوفاً من أن يُعدوا في صفوف الكفار : « يُخْفُونَ فِى أَنفُسِهِم مَّا لَايُبْدُونَ لَكَ » . وكأنّهم كانوا يتصورون أنّ الهزيمة في « أحد » من العلائم الدالة على بطلان الإسلام ، ولذا كانوا يقولون : « لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَا قُتِلْنَا ههُنَا » . أي لو كنّا على حق لكسبنا المعركة ، ولم نخسر كل هذه الأرواح والنفوس . ولكنّ اللَّه تعالى أجابهم وهو يشير في هذه الإجابة إلى مطلبين : الأوّل : إنّ عليكم أن لا تتوهموا بأنّ الفرار من ساحة المعركة ، وتجنب الصعاب يمكنه أن ينقذكم من الموت الذي هو قدر لكل إنسان ولهذا يقول سبحانه : « قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ » . فإنّ الذين جاء أجلهم ، وحان حين موتهم لابدّ أن يموتوا ولا محالة هم مقتولون حتى لو كانوا في مضاجعهم . والثاني : إنّ هذه الحوادث لابد أن تقع حتى يبدي كل واحد مكنون صدره ، ومكتوم قلبه ، فتتشخص الصفوف ، وتتميز جواهر الرجال ، هذا مضافاً إلى أنّ هذه الحوادث سبب لتربية الأشخاص شيئاً فشيئاً ، ولتخليص نياتهم ، وتقوية إيمانهم ، وتطهير قلوبهم « وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ » . ثم في ختام هذه الآية يقول سبحانه : « وَاللَّهُ عَلِيمٌ بَذَاتِ الصُّدُورِ » . ولذلك فهو لا ينظر إلى أعمال الناس بل يمتحن قلوبهم ، ليطهرها من كل ما تعلق بالنفوس والأفئدة من شوائب الشرك والنفاق والشك والتردد . الذنب ينتج ذنباً آخر : هذه الآية ناظرة أيضاً إلى وقائع معركة « أحد » وتقرر حقيقة أخرى للمسلمين ، وهي أنّ الذنوب والانحرافات التي تصدر من الإنسان بسبب من