الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
325
مختصر الامثل
سبب النّزول في تفسير مجمع البيان : قيل : نزلت الآية تسلية للمؤمنين ، لما نالهم يوم أحد من القتل والجراح . وفي تفسير القرطبي عن ابن عباس قال : انهزم أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يوم أحد فبيناهم كذلك إذ أقبل خالد بن وليد بخيل من المشركين ، يريد أن يعلوا عليهم الجبل ؛ فقال النبي صلى الله عليه وآله : « اللهم لا يَعلُنّ علينا اللهم لا قوّة لنا إلّابك اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر » . فأنزل اللَّه هذه الآيات . التّفسير دراسة نتائج غزوة أحد : في الآية الأولى من هذه الآيات حذر القرآن المسلمين من أن يعتريهم اليأس والفتور بسبب النكسة في معركة واحدة ، وأن يتملكهم الحزن وييأسوا من النصر النهائي ، قال سبحانه : « وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ » . والوهن المذكور في الآية هو كل ضعف يصيب الجسم أو الروح أو يصيب الإرادة والإيمان . تعني أنّ هزيمتكم إنّما كانت بسبب فقدانكم لروح الإيمان وآثارها ، فلو أنّكم لم تتجاهلوا أوامر اللَّه سبحانه لم يصبكم ما أصابكم ، ولم يلحقكم ما لحقكم ، ولكن لا تحزنوا مع ذلك ، فإنّكم إذا ثبتم على طريق الإيمان كان النصر النهائي حليفكم ، والهزيمة في معركة واحدة لا تعني الهزيمة النهائية . ثم إنّه سبحانه يقول : « إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ » . وبذلك يعطي للمسلمين درساً آخر للوصول إلى النصر النهائي . و « القرح » جرح يصيب البدن بسبب اصطدامه بشيء خارجي . « وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ » « 1 » . ففي هذا القسم يشير سبحانه إلى واحدة من السنن الإلهية وهي أنّه قد تحدث في حياة البشر حوادث حلوة أو مرّة ولكنها غير باقية ولا ثابتة مطلقاً ، فالانتصارات والهزائم ، والغالبية والمغلوبية ، والقوة والضعف كل ذلك يتغير ويتحول ، وكل ذلك يزول ويتبدل ، فلا ثبات ولا دوام لشيء منها .
--> ( 1 ) « الأيام » : جمع يوم يعبر به عن وقت طلوع شمس إلى غروبها ، وقد يطلق على فترات الانتصارات الكبرى في حياة الشعوب ، و « نداولها » : من المداولة بمعنى إذا صار الشئ من بعض القوم إلى البعض الآخر .