الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
323
مختصر الامثل
الغيظ » بخطوة أخرى وهي « العفو والصفح » ولهذا أردفت صفة « الكظم للغيظ » التي هي بدورها من أنبل الصفات بمسألة العفو . 4 - إنّهم محسنون : « وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » . وهنا إشارة إلى مرحلة أعلى من « العفو والصفح » وبهذا يرتقي المتقون من درجة إلى أعلى في سلّم التكامل المعنوي . وهذه السلسلة التكاملية هي أن لا يكتفي الإنسان تجاه الإساءة إليه بكظم الغيظ ولا يكتفى أيضاً بأن يعفو ويصفح عن المسىء ليغسل بذلك آثار العداء عن قلبه ، بل يعمد إلى القضاء على جذور العداء في فؤاد خصمه المسئ إليه أيضاً ، وذلك بالإحسان إليه ، وبذلك يكسب وده وحبّه ، ويمنع من تكرار الإساءة إليه في مستقبل الزمان . 5 - إنّهم لا يصرّون على ذنب : « وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ » . « الفاحشة » : مشتقة أصلًا من الفحش ، وهو كل ما اشتد قبحه من الذنوب ، ولا يختص بالزنا خاصة ، لأنّ الفحش يعني « تجاوز الحد » الذي يشمل كل ذنب . يستفاد من هذه الآية أنّ الإنسان لا يذنب ما دام يتذكر اللَّه ، فهو إنّما يذنب إذا نسي اللَّه تماماً واعترته الغفلة ، ولكن لا يلبث هذا النسيان وهذه الغفلة - لدى المتقين - حتى تزول عنهم سريعاً ويذكرون اللَّه ، فيتداركون ما فات منهم ، ويصلحون ما أفسدوه . إنّ المتقين يحسّون إحساساً عميقاً بأنّه لا ملجأ لهم إلّااللَّه ، فلابد أن يطلبوا منه المغفرة لذنوبهم دون سواه « وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ » . ثم إنّه سبحانه تأكيداً لهذه الصفة قال : « وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ » . والآن جاء الدور ليذكر القرآن الكريم ما ينتظر هذا الفريق من الثواب والجزاء اللائق . وكان ذلك إذ قال سبحانه : « أُولئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا » . لقد ذكر في هذه الآية جزاء المتقين الذين تعرضت الآيات السابقة لذكر أوصافهم وأبرز صفاتهم ، وهذا الجزاء عبارة عن : مغفرة ربانية ، وجنات خالدات تجري من تحتها الأنهار بدون انقطاع أبداً . ثم إنّه سبحانه يعقب ما قال عن الجزاء بقوله : « وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ » . أي : ما أروع هذا الجزاء الذي يُعطى للعاملين لا للكسالى ، الذين يتهرّبون من مسؤولياتهم ، ويتملّصون من التزاماتهم .