الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

302

مختصر الامثل

مقدمة للاتحاد والتآخي . وفي الحقيقة أنّ الدعوة إلى الاتحاد دون أن تستعين هذه الدعوة وتنبع من الجذور الخلقية والاعتقادية ، دعوة قليلة الأثر ، إن لم تكن عديمة الأثر بالمرّة ، ولهذا يركز الاهتمام في هذه الآية على معالجة جذور الاختلاف ، وإضعاف العوامل المسببة للتنازع في ضوء الإيمان والتقوى ولهذا توجه القرآن بالخطاب إلى المؤمنين فقال : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ » . إنّ « حق التقوى » يعد من أسمى درجات التقوى وأفضلها لأنّه يشمل اجتناب كل إثم ومعصية ، وكل تجاوز وعدوان ، وانحراف عن الحقّ . ثم إنّه بعد أن أوصى جميع المؤمنين بملازمة أعلى درجات التقوى انتهت الآية بما يعتبر تحذيراً - في حقيقته - للأوس والخزرج وغيرهم من المسلمين في العالم ، تحذيراً مفاده : أنّ مجرد اعتناق الإسلام والانضمام إلى هذا الدين لا يكفي ، إنّما المهم أن يحافظ المرء على إسلامه وإيمانه واعتقاده إلى اللحظة الأخيرة من عمره وحياته ، ولهذا قال سبحانه : « وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ » . الدعوة إلى الاتحاد : بعد أن أوصت الآية السابقة كل المؤمنين بملازمة أعلى درجات التقوى ومهدت بذلك النفوس وهيّأتها ، جاءت الآية الثانية تدعوهم بصراحة إلى مسألة الاتحاد ، والوقوف في وجه كل ممارسات التجزئة وإيجاد الفرقة ، فقال سبحانه في هذه الآية : « وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا » . إنّ المقصود من « حبل اللَّه » هو كل وسيلة للارتباط باللَّه تعالى سواء كانت هذه الوسيلة هي الإسلام ، أم القرآن الكريم ، أم النبي وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام . ثم إنّ القرآن بعد كل هذا يعطي مثالًا حيّاً من واقع الأمة الإسلامية لأثر الارتباط باللَّه وهو يذكر - في نفس الوقت - بنعمة الاتحاد والاخوة - تلك النعمة الكبرى - ويدعو المسلمين إلى مراجعة الماضي المؤسف ، ومقارنة ذلك الاختلاف والتمزق بهذه الوحدة القوية الصلبة ويقول : « وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا » . والملفت للنظر هو أنّ اللَّه نسب تأليف قلوب المؤمنين إلى نفسه فقال : « فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ » . أي إنّ اللَّه ألف بين قلوبكم ، وبهذا التعبير يشير القرآن الكريم إلى معجزة اجتماعية عظيمة للإسلام ، لأنّنا لو لاحظنا ما كان عليه العرب والمجتمع الجاهلي من عداوات