الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

299

مختصر الامثل

النبي صلى الله عليه وآله من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه ، فعاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد ، واللَّه ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار ، فأمر فتى شاباً معه من يهود فقال : اعمد إليهم فاجلس معهم ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار . وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج . ففعل ، فتكلّم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين ، على الركب - أوس بن يقظي أحد بني حارثة من الأوس . وهبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج - فتقاولا ، ثم أحدهما لصاحبه : إن شئتم واللَّه رددناها الآن وغضب الفريقان جميعاً وقالوا قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة - والظاهرة الحرة - فخرجوا إليها وانضمت الأوس بعضها إلى بعض والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية . فبلغ ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال : « يا معشر المسلمين اللَّه اللَّه ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم اللَّه إلى الإسلام ، وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألّف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً ؟ » فعرف القوم أنّها نزغة من الشيطان وكيد لهم من عدوّهم ، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق الرجال بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله سامعين مطيعين قد أطفأ اللَّه عنهم كيد عدوّ اللَّه تعالى شماس ، وأنزل اللَّه تعالى في شأن شماس وما صنع « قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ » إلى قوله سبحانه « وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » وأنزل في أوس بن يقظي وهبار ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تُطِيعُوا » الآية « 1 » . التّفسير مفرقو الصفوف ومثيرو الخلاف : بعد أن فعل بعض العناصر اليهودية الحاقدة فعلتها وكادت أن تشعل نيران العداوة بين المسلمين نزل قوله تعالى : « قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بَايَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ » . والمخاطب في هذه الآية هم أهل الكتاب

--> ( 1 ) تفسير روح المعاني 4 / 14 ، ذيل الآية مورد البحث .