الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
293
مختصر الامثل
أمّا بشأن مكان هذا الإنفاق ، أفي الدنيا أم في الآخرة ؟ فقد ذكر المفسرون لذلك احتمالين اثنين ، ولكن ظاهر الآية يدل على العالم الآخر ، أي كانوا كافرين « وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ » . فلو كانوا يملكون ملء الأرض ذهباً ، وظنّوا أنّهم بالاستفادة من هذا المال ، كما هي الحال في الدنيا ، يستطيعون أن يدرأوا العقاب عن أنفسهم ، فهم على خطأ فاحش ، وفي الواقع فإنّ مضمون هذه الآية يشبه قوله تعالى في الآية ( 15 ) من سورة الحديد : « فَالْيَوْمَ لَايُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا » . وفي الختام يشير إلى نكتة أخرى في المقام ويقول : « أُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ » . لا شك في أنّهم سينالون عقاباً شديداً مؤلماً ، ولن يكون باستطاعة أحد أن ينتصر أو يشفع لهم ، لأنّ الشفاعة لها شرائط ، وأهمها الإيمان باللَّه ، ولهذا السبب فلو أن جميع الشفعاء اجتمعوا لإنقاذ أحد الكفار من عذاب النار لم تقبل شفاعتهم . وأساساً ، بما أنّ الشفاعة بإذن اللَّه ، فإنّ الشفعاء لا يشفعون أبداً لمثل هؤلاء الأفراد غير اللائقين للشفاعة ، لأنّ الشفاعة تحتاج إلى قابلية المحل ، والإذن الإلهي لا يشمل الأفراد غير اللائقين . لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 92 ) من علائم الإيمان : بعد أن تحدثت الآية السابقة عن حال الكفار حينما يواجهون الواقع يوم القيامة ، ويودون لو أنفقوا ملء الأرض ذهباً ليفتدوا به ، جاءت هذه الآية لتعطي درساً مهماً في « الإنفاق » بالمناسبة ، فقد قال سبحانه وتعالى في هذه الآية : « لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ » . إنّ لكلمة « البر » معنى واسعاً يشمل كل أنواع الخير إيماناً كان أو أعمالًا صالحة ، كما أنّ المستفاد من الآية ( 177 ) من سورة البقرة هو اعتبار « الإيمان باللَّه واليوم الآخر ، والأنبياء ، وإعانة المحتاجين ، والصّلاة ، والصيام ، والوفاء ، والاستقامة في البأساء والضراء » جميعها من شعب البر ومصاديقه . وعلى هذا فإنّ للوصول إلى مراتب الأبرار الحقيقيين شروطاً عديدة ، منها : الإنفاق مما يحبه الإنسان من الأموال . وحتى يطمئن المنفقون إلى أنّ أي شيء مما ينفقونه لن يعزب عن اللَّه سبحانه ولن يضيع ، عقب اللَّه على حثه للناس على الإنفاق مما يحبون بقوله : « وَمَا تُنفِقُوا مِن شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ