الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
290
مختصر الامثل
أيريد هؤلاء ديناً غير دين اللَّه ؟ وما دين اللَّه سوى التسليم للشرائع الإلهية ، هي كلها قد جمعت بصورتها الكاملة الشاملة في دين نبي الخاتم صلى الله عليه وآله . فإذا كان هؤلاء يبحثون عن الدين الحقيقي فعليهم أن يسلموا . « وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ » . يبدأ القرآن بتفسير الإسلام بمعناه الأوسع ، فيقول : كل من في السماوات والأرض ، أو جميع الكائنات في السماوات والأرض ، مسلمون خاضعون لأوامره « طَوْعًا وَكَرْهًا » . هذا الاستسلام والخضوع يكون « طوعاً » أو اختيارياً أحياناً ، إزاء « القوانين التشريعية » ويكون « كرهاً » أو إجبارياً أحياناً أخرى ، إزاء « القوانين التكوينية » . « قُلْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا » . في هذه الآية يأمر اللَّه النبي والمسلمين بأنّهم ، فضلًا عن إيمانهم بما انزل على رسول الإسلام ، عليهم أن يظهروا إيمانهم بكل الآيات والتعليمات التي نزلت على الأنبياء السابقين ، وأن يقولوا : إنّنا لا نفرّق بينهم من حيث صدقهم وعلاقتهم باللَّه ، إنّنا نعترف بالجميع ، فهم جميعاً كانوا قادة إلهيين ، وهم جميعاً بُعثوا لهداية الناس ، إنّا نسلم بأمر اللَّه من جميع النواحي ، وبذلك نقطع أيدي المفرّقين . « وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ » . « يبتغ » : من « الإبتغاء » بمعنى الطلب والسعي ، ويكون في الأمور المحمودة وفي الأمور المذمومة . تقول الآية : أنّه لا يقبل من أحد سوى الإسلام مع الأخذ بنظر الاعتبار احترام سائر الشرايع الإلهية المقدسة . وأمّا الذين يتخذون غير هذه الحقيقة ديناً ، فلن يقبل منهم هذا أبداً ، ولهم على ذلك عقاب شديد « وَهُوَ فِى الْأَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ » . في تفسير القرطبي ( وفي تفسير روح الجنان أيضاً ) : نزلت هذه الآية في الحارث بن سويد أخو الجُلاس بن سويد وكان من الأنصار ، إرتدّ عن الإسلام هو واثنا عشر معه ولحقوا بمكة كفاراً ، فنزلت هذه الآية . كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 86 ) أُولئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 87 ) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 88 ) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 89 )