الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

272

مختصر الامثل

ولما كانت دعوة الأنبياء في الحقيقة دعوة إلى حياة حقيقية ، فإنّ هذه الآية - عند بيان معجزات السيد المسيح عليه السلام - تبدأ بذكر بثّ الحياة في الأموات بإذن اللَّه ، وتقول على لسان المسيح : « أَنّى أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطّينِ كَهَيَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ » . ثم تشير إلى معالجة الأمراض الصعبة العلاج أو التي لا علاج لها وتقول على لسانه : « وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْىِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ » « 1 » . لا شكّ أنّ القيام بكلّ هذه الأعمال وخاصة لدى علماء الطب في ذلك الزمان كان من المعجزات التي لا يمكن إنكارها . بعد ذلك تشير إلى إخباره عن أسرار الناس الخافية ، فلكل امرئ في حياته بعض الأسرار التي لا يعرف الآخرون شيئاً عنها ، فإذا جاء من يخبرهم بما أكلوه ، أو ما ادّخروه ، فهذا يعني أنّه يستقي معلوماته من مصدر غيبي : « وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ » . وأخيراً يقول : إنّ هذه كلها دلائل صادقة للذين يؤمنون منكم « إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ » . تفيد هذه الآية وآيات أخرى أنّ رسل اللَّه وأولياءه يستطيعون بإذن منه وبأمره - إذا اقتضى الأمر - أن يتدخّلوا في عالم الخلق والتكوين وأن يحدثوا ما يعتبر خارقاً للقوانين الطبيعية . وهذا مقام أرفع من مقام الولاية التشريعية ، أي إدارة الناس وحكمهم ونشر قوانين الشريعة بينهم ودعوتهم إلى اللَّه وهدايتهم إلى الصراط المستقيم . وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 50 ) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 51 ) هذه الآية جاءت على لسان المسيح عليه السلام ولبيان بعض أهداف النبوّة حيث يقول : جئت اؤكّد لكم التوراة وأثبت أصولها ومبادئها « وَمُصَدّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَيةِ » . كما جئت لأرفع الحظر الذي فرض عليكم بالنسبة لبعض الأشياء في دين موسى عليه السلام بسبب

--> ( 1 ) « اكمه » : قيل إنّه يعني أعمى ، وذهب بعض إلى أنّه العشو الليلي ، ولكن أغلب المفسّرين وأرباب اللغة ذهبواإلى أنّه يعني الأعمى منذ الولادة ، وبعض ذهب إلى أكثر من ذلك بأنّ المراد هو عدم وجود أصل العين .