الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

262

مختصر الامثل

بالجماعة المؤمنة الموحدة ، وانقطعت إرتباطاتهم من جميع الجهات . « إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَيةً » . هذا استثناء من الحكم المذكور وهو أنّه إذا اقتضت الظروف - التقية - فللمسلمين أن يظهروا الصداقة لغير المؤمنين الذين يخشون منهم على حياتهم ، ولكن الآية تعود في الختام لتؤكّد الحكم الأوّل فتقول : « يُحَذّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ » . فاللَّه ينذر الناس أوّلًا بغضب منه وبعقاب شديد ، ثم إنّ مرجع الناس جميعاً إلى اللَّه وإن تولّوا أعداء اللَّه نالوا عاجلًا نتيجة أعمالهم . إنّ التقية في موضعها حكم عقلي قاطع ويتّفق مع الفطرة الإنسانية . قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 29 ) نهت الآية السابقة عن الصداقة والتعاون مع الكافرين والاعتماد عليهم نهياً شديداً ، واستثنت من ذلك حالة « التقية » . إلّاأنّ بعضهم قد يتخذ من « التقية » في غير محلها ذريعة لمدّ يد الصداقة إلى الكفار أو الخضوع لولايتهم وسيطرتهم . وبعبارة أخرى أنّهم قد يستغلّون « التقية » ويتخذونها مبرّراً لعقد أواصر العلاقات مع أعداء الإسلام ، فهذه الآية تحذّر أمثال هؤلاء وتأمرهم أن يضعوا نصب أعينهم علم اللَّه المحيط بأسرار القلوب والعالم بما ظهر وما خفي وتقول : « قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ » . ولا يقتصر علم اللَّه الواسع على ذلك ، بل : « وَيَعْلَمُ مَا فِى السَّموَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ » . في الواقع أنّ هذه الآية لكي تنبّه الناس إلى إحاطة اللَّه بأسرارهم الخفية ، تشير إلى أنّ معرفة اللَّه بأسرارهم إنّما هي جانب صغير من مدى علمه اللامحدود الذي يسع السماوات والأرض ، وهو إضافة إلى علمه الواسع قادر على معاقبة المذنبين : « وَاللَّهُ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ » . يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ( 30 ) تشير هذه الآية إلى حضور الأعمال الصالحة والسيئة يوم القيامة ، فيرى كل امريء ما عمل من خير وما عمل من شرّ حاضراً أمامه ، فالذين يشاهدون أعمالهم الصالحة يفرحون