الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

255

مختصر الامثل

فالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله مثلًا - بالإضافة إلى أنّ المعجزات والدلائل الواضحة في نصوص دينه تؤكد صدقه - وردت أوصافه وعلاماته في الكتب السماوية السابقة التي بقي قسم منها في أيدي اليهود والنصارى ، ولذلك بشّر علماؤهم بظهوره قبل ظهوره ، ولكنهم بعد أن بُعث رأوا مصالحهم في خطر ، فأنكروا كل ذلك ، يحدوهم الظلم والحسد والطغيان . « وَمَنْ يَكْفُرْ بَايَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ » . هذا بيان لمصير أمثال هؤلاء الذين لا يعترفون بآيات اللَّه ، إنّهم سوف يتلقّون نتائج عملهم هذا ، فاللَّه سريع في تدقيق حساباتهم . المراد من « آيات اللَّه » في هذه الآية ما يشمل جميع آياته وبراهينه وكتبه السماوية ، ولعلها تشمل أيضاً الآيات التكوينية في عالم الوجود . فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ( 20 ) « المحاجّة » : أن يسعى كل واحد في ردّ الآخر عن حجّته ومحجّته دفاعاً عن عقيدته . من الطبيعي أن يقوم أتباع كل دين بالدفاع عن دينهم ، ويرون أنّ الحق بجانبهم ، لذلك يخاطب القرآن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قائلًا : قد يحاورك أهل الكتاب ( اليهود والنصارى . . . ) فيقولون إنّهم قد أسلموا بمعنى أنّهم قد استسلموا للحق ، وربّما هم يصرّون على ذلك ، كما فعل مسيحيّو نجران مع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله . فالآية لا تطلب من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أن يتجنّب محاورتهم ومحاججتهم ، بل تأمره أن يسلك سبيلًا آخر وذلك عندما يبلغ الحوار منتهاه فعليه لكي يهديهم ويقطع الجدل والخصام أن يقول لهم : إنّني وأتباعي قد أسلمنا للَّه‌واتّبعنا الحق « فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ » . ثم يسأل أهل الكتاب والمشركين إن كانوا هم أيضاً قد أسلموا للَّه‌واتّبعوا الحق فعليهم أن يخضعوا للمنطق : « وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمّيّينَ ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا » . فإذا لم يستسلموا للحقيقة المعروضة أمامهم ، فإنّهم لا يكونون قد أسلموا للَّه . عندئذ لا تمضي