الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

220

مختصر الامثل

تصوّر قطعة حجر صلد تغطّيه طبقة خفيفة من التراب ، وقد وضعت في هذا التراب بذور سليمة ، ثم عرّض الجميع للهواء الطلق وأشعة الشمس ، فإذا سقط المطر المبارك على هذا التراب لا يفعل شيئاً سوى اكتساح التراب والبذور وبعثرتها ، ليظهر سطح الحجر بخشونته وصلابته التي لا تنفذ فيها الجذور ، وهذا ليس لأنّ أشعة الشمس والهواء الطلق والمطر كان لها تأثير سئ ، بل لأنّ البذر لم يزرع في المكان المناسب ، ظاهر حسن وباطن خشن لا يسمح بالنفوذ إليه ، قشرة خارجية من التربة لا تعين على نموّ النبات الذي يتطلّب الوصول إلى الأعماق لتتغذّى الجذور . ويشبّه القرآن الإنفاق الذي يصاحبه الرياء والمنة والأذى بتلك الطبقة الخفيفة من التربة التي تغطّي الصخرة الصلدة والتي لا نفع فيها ، بل أنّها بمظهرها تخدع الزارع وتذهب بأتعابه أدراج الرياح ، هذا هو المثل الذي ضربه القرآن في الآية الأولى للإنفاق المرائيالذي يتبعه المنّ والأذى . وفي نهاية الآية يقول تعالى : « وَاللَّهُ لَايَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ » . وهو إشارة إلى أنّ اللَّه تعالى سوف يسلبهم التوفيق والهداية ، لأنّهم أقدموا على الرياء والمنّة والأذى بأقدامهم ، واختاروا طريق الكفر باختيارهم ومثل هذا الشخص لا يليق بالهداية . في الآية التالية نقرأ مثالًا جميلًا آخر يقع في النقطة المقابلة لهذه الطائفة من المنفقين ، وهؤلاء هم الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللَّه بدافع من الإيمان والإخلاص فتقول الآية : « وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ » . تصوّر هذه الآية مزرعة خضراء يانعة تقع على أرض مرتفعة خصبة تستقبل الهواء الطلق وأشعة الشمس الوافرة والمطر الكثير النافع ، وإذا لم يهطل المطر الوابل ينزل الطلّ وهو المطر الخفيف وذرات الهباب ليحافظ على طراوة المزرعة ولطافتها ، فتكون النتيجة أنّ مزرعة كهذه تعطي ضعف ما تعطي المزارع الأخرى ، فهذه الأرض فضلًا عن كونها خصبة بحيث يكفيها الطلّ والمطر الخفيف ناهيك عن المطر الغزير لإيناع حاصلها ، وفضلًا عن كونها تستفيد كثيراً من الهواء الطلق وإشعة الشمس وتلفت الأنظار لجمالها ، فإنّها لوقوعها على مرتفع تكون في مأمن من السيول . فالآية الشريفة تريد أن تقول : إنّ الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللَّه لتمكّن الإيمان واليقين في قلوبهم وأرواحهم هم أشبه بتلك المزرعة ذات الحاصل الوافر المفيد والثمين .