الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

215

مختصر الامثل

« عروش » : جمع عرش وهنا تعني السقف ؛ و « خاوية » : في الأصل بمعنى خالية ولكنها هنا كناية عن الخراب والدمار وعليه فإنّ قوله « وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا » تعني أنّ دور تلك القرية كانت كلها خربة ، فقد هوت سقوفها ثم انهارت الجدران عليها وهذا هو الخراب التام . « فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ » . إنّ ظاهر الآية يدل على أنّ النبي قد فارق الحياة ، وبعد مائة سنة استأنف الحياة مرة أخرى ، ولا شك أنّ موتاً وحياة كهذين هما من خوارق العادات ، وإن لم يكن مستحيلًا ، وعلى كل حال فإنّ الحوادث الخارقة للعادة في القرآن ليست منحصرة بهذه الحادثة بحيث نعمد إلى تأويلها . « قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ » . يسأل اللَّه نبيه في هذه الآية عن المدّة التي قضاها في النوم ، فيتردد في الجواب بين قضائه يوماً كاملًا أو جزءاً من اليوم ، ويستفاد من هذا التردّد أنّ الساعة التي أماته اللَّه فيها تختلف عن الساعة التي أحياه فيها من ساعات النهار ، كأن تكون إماتته قد حدثت مثلًا قبل الظهر ، وأعيد إلى الحياة بعد الظهر ، لذلك انتابه الشكّ إن كان قد نام يوماً كاملًا بليله ونهاره ، أم أنّه لم ينم سوى بضع ساعات من النهار ، ولهذا بعد أن قال إنّه قضى يوماً ، راوده الشك فقال : « أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ » . ولكنّه ما لبث أن سمع اللَّه يقول له : « بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ » . ثم أنّ اللَّه تعالى أمر نبيّه بأن ينظر إلى طعامه الذي كان معه من جهة ، وينظر إلى مركوبه من جهة أخرى ليطمئن إلى واقعية الأمر فالأوّل بقي سالماً تماماً ، أمّا الثاني فتلاشى وأصبح رميماً ، ليعلم قدرة اللَّه على حفظ الأشياء القابلة للفساد خلال هذه الأعوام ويدرك من جهة أخرى مرور الزمان على وفاته : « فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ » . أي أنّ اللَّه القادر على إبقاء ما يسرع إليه التفسّخ والفساد كالطعام والشراب ، قادر أيضاً على إحياء الموتى بيسر ، فإبقاء الطعام والشراب نوع من إدامة الحياة لهذه المواد السريعة التفسّخ وعملية الإبقاء هذه ليست بأيسر من إحياء الموتى . « وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ » . إنّ الآيات التالية تشير إلى أنّ حماره قد تلاشى تماماً بمضيّ الزمان ولولا ذلك لما كان هناك ما يشير إلى انقضاء مائة سنة . « وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِّلنَّاسِ » . أي أنّ حكايتك هذه ليست آية لك وحدك ، بل هي كذلك للناس جميعاً . « وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا » . واضح أنّ العظام المقصودة هي