الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
207
مختصر الامثل
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ( 253 ) دور الأنبياء في حياة البشر : هذه الآية تشير إلى درجات الأنبياء ومراتبهم وجانباً من دورهم في حياة المجتمعات البشرية ، تقول الآية : « تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ » . « مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ » . هذه إشارة إلى بعض فضائل الأنبياء ، وواضح أنّ المقصود بالآية موسى عليه السلام المعروف باسم « كليم اللَّه » . ثم تضيف الآية : « وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ » . ومع الالتفات إلّاأنّ الآية أشارت إلى التفاضل بين الأنبياء بالدرجات والمراتب ، فيمكن أن يكون المراد في هذا التكرار إشارة إلى أنبياء معينين وعلى رأسهم نبي الإسلام الكريم لأنّ دينه آخر الأديان وأكملها . أو أنّ المقصود من بعض الأنبياء السابقين ، مثل إبراهيم إذ يقول سبحانه في الآية التالية : « وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم » . أي : لو شاء اللَّه ما أخذت أمم هؤلاء الأنبياء تتقاتل فيما بينها بعد رحيل أنبيائها . « وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيّنَاتِ وَأَيَّدْنهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ » . أي أنّنا وهبنا عيسى عليه السلام براهين واضحة مثل شفاء المرضى المزمنين وإحياء الموتى والمعارف الدينية السامية . أمّا المراد من ( روح القدس ) هو جبرائيل حامل الوحي الإلهي . وتشير الآية كذلك إلى وضع الأمم والأقوام السالفة بعد الأنبياء والاختلافات التي جرت بينهم فتقول : « وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيّنَاتُ » . فمقام الأنبياء وعظمتهم لن يمنعا من حصول الاختلافات والاقتتال والحرب بين أتباعهم لأنّها سنّة إلهية أن جعل اللَّه الإنسان حرّاً ولكنه أساء الاستفادة من هذه الحرية : « وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ » . ثم تؤكد الآية أنّ اللَّه تعالى قادر على منع الاختلافات بين الناس بالإرادة التكوينية وبالجبر ، ولكنه يفعل ما يريد وفق الحكمة المنسجمة مع تكامل الإنسان ولذلك تركه مختاراً