الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

205

مختصر الامثل

على أعمالهم العبادية ، ومن ذلك تشير الجملة الأخيرة في هذه الآية : « إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ » . ثم إنّ بني إسرائيل رضخوا لقيادة طالوت فصنع منهم جيوشاً كثيرة وساروا إلى القتال ، وهنا تعرض بني إسرائيل لاختبار عجيب ومن الأفضل أن نجمع تلك الأحداث ومجريات الأمور من القرآن نفسه حيث يقول : « فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ » « 1 » . ويتضح في هذه الموارد الامتحان الكبير الذي تعرض له بنو إسرائيل وهو المقاومة الشديدة للعطش وكان هذا الامتحان ضرورياً لجيش طالوت وخاصة مع سوابق هذا الجيش السيئة في بعض الحروب السابقة لأنّ الانتصار يتوقف على مقدار الانضباط وقدرة الإيمان والاستقامة في مقابل الأعداء والطاعة لأوامر القيادة . وشرب الأكثرية كما قلنا في سرد الحكاية وكما جاء بإيجاز في الآية . وهكذا جرت التصفية الثانية في جيش طالوت ، وكانت التصفية الأولى عندما نادى المنادي للاستعداد للحرب وطلب الجميع بالاشتراك في الجهاد إلّاالذين كانت لهم التزامات تجارية أو عمرانية أو نظائرها . « فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَاطَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ » . تفيد هذه الآية أنّ تلك القلة التي نجحت في الامتحان هي وحدها التي تحرّكت معه ، ولكن عندما خطر لهؤلاء القلة أنّهم مقدمون على مواجهة جيش جرّار وقوي ، ارتفعت أصواتهم بالتباكي على قلة عددهم ، وهكذا بدأت المرحلة الثالثة في التصفية . « قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُّلقُوا اللَّهِ كَمْ مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ » . إنّ « يظنّون » هنا تعني يعلمون ، أي أنّهم على يقين من قيام يوم القيامة . في الآية التالية يذكر القرآن الكريم موضوع المواجهة الحاسمة بين الجيشين ويقول : « وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ » . « برزوا » : من مادة « بروز » بمعنى الظهور ، فعندما يستعد المحارب للقتال ويتّجه إلى

--> ( 1 ) « جنود » : جمع « جند » في الأصل بمعنى الأرض الكثيرة الأحجار والمتراكمة الصخور ثم أطلقت على كل شيء متراكم وعادةً تأتي بمعنى الجيش الكبير .