الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

187

مختصر الامثل

إنّ المراد من التسريح بإحسان أن يؤدّي للمرأة حقوقها بعد الانفصال النهائي ، ولا يسعى الإضرار بها عملًا وقولًا بأن يعيبها في غيابها أو يتّهمها بكلمات رخيصة ويُسقط شخصيتها وسمعتها أمام الناس ، وبذلك يحرمها من إمكانية الزواج المجدد ، فكما أنّ الصلح والرجوع إلى الزوجة يجب أن يكون بالمعروف والإحسان والمودّة ، فكذلك الانفصال النهائي يجب أن يكون مشفوعاً بالإحسان أيضاً ، ولهذا تضيف الآية الشريفة : « وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيًا » . فعلى هذا الأساس لا يستطيع الزوج عند الانفصال النهائي أن يأخذ ما أعطاها من مهرها شيئاً ، وهذا المعنى أحد مصاديق التسريح بإحسان . وتستطرق الآية إلى ذكر مسألة « طلاق الخلع » وتقرّر أنّه في حالة واحدة تجوز استعادة المهر وذلك عند رغبة المرأة نفسها بالطلاق حيث تقول الآية : « إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ » . ثم تضيف : « فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ » . أي الفدية أو التعويض الذي تدفعه المرأة للتّخلص من الرابطة الزوجية ، هذه الحالة تختلف عن الأولى في أنّ الطالب للفرقة هي المرأة نفسها ويجب عليها دفع الغرامة والتعويض للرجل الذي يريد ويطلب بقاء العُلقة الزوجية ، وبذلك يتمكن الزوج بهذه الغرامة والفدية أن يتزوج مرة أخرى ويختار له زوجة ثانية . وفي ختام الآية تشير إلى مُجمل الأحكام الواردة فيها وتقول : « تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ » . فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 230 ) سبب النّزول في تفسير مجمع البيان ، وتفسير روح المعاني أيضاً : جاءت امرأة رفاعة بن وهب القُرظيّ إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقالت : إنّي كنت عند رفاعة فطلّقني فبتّ طلاقي فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير وما معه الأمثل هُدبة الثوب ( وإنّه طلّقني قبل أن يمسّني ) فتبسم النبي صلى الله عليه وآله فقال : « أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا ، حتى يذوق عُسَيلَتَك ، وتذوقي عُسَيلَتَه » .