الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
178
مختصر الامثل
مذهبة للعقل مسلبة للمال . وعن سبب نزول الآية الثانية فقد ورد في تفسير القمي عن الإمام الصادق عليه السلام وفي تفسير مجمع البيان قال ابن عباس : لمّا أنزل اللَّه « وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ » « 1 » . و « إِنَّ الَّذِين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلُونَ سَعِيرًا » « 2 » . انطلق كل من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه واشتدّ ذلك عليهم فسألوا عنه ، فنزلت هذه الآية . التّفسير الآية الأولى تُجيب عن سؤالين حول الخمر والقمار « يَسَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ » . « الخمر » : بمعنى كل مايع مسكر ، سواء اخذ من العنب أو الزبيب أو التمر أو شيء آخر ، بالرغم من أنّ الوارد في اللغة أسماء مختلفة لكل واحد من أنواع المشروبات الكحولية . « الميسر » : من مادة ( اليُسر ) وإنّما سمي بذلك لأنّ المُقامر يستهدف الحصول على ثروة بيسر ودون عناء . ثم تقول الآية في الجواب : « قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا » . وبناء على ذلك ، فكل إنسان عاقل لا يقدم على الإضرار بنفسه كثيراً من أجل نفع ضئيل . السؤال الثالث المذكور في الآية محل البحث هو السؤال عن الإنفاق فتقول الآية : « وَيَسَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ » . « العفو » يُطلق على مصاديق مختلفة منها : المغفرة والصفح وإزالة الأثر ، الحد الوسط بين شيئين ، المقدار الإضافي لشيء ، وأفضل جزء من الثروة . ويمكن أن يكون العفو في الآية هو المعنى الأوّل ، أي الصفح عن أخطاء الآخرين ، وبذلك يكون معنى الآية الكريمة : أنفقوا الصفح والمغفرة فهو أفضل الإنفاق . ولا يبعد هذا الاحتمال لو أخذنا بنظر الاعتبار أوضاع شبه الجزيرة العربية عامة وخاصة مكة والمدينة محل نزول القرآن من حيث هيمنة روح التنافر والعداء والحقد بين الناس ، والجواب بهذا المعنى لا يتنافي مع سؤالهم بشأن الإنفاق المالي ، لأنّهم قد يسألون عن
--> ( 1 ) سورة الإسراء / 34 . ( 2 ) سورة النّساء / 10 .