الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
176
مختصر الامثل
والطائف - فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة لقريش في آخر يوم من جمادي الآخرة ، وكانوا يرون أنّه من جمادي ، وهو رجب - من الأشهر الحرم - فاختصم المسلمون فقال قائل منهم : هذه غرة من عدو وغُنْم رزقتموه ولا ندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا . وقال قائل منهم : لا نعلم هذا اليوم إلا من الشهر الحرام ولا نرى أن تستحلوه لطمع أشفيتم عليه . فغلب على الأمر الذي يريدون عرض الحياة الدنيا ، فشدوا على ابن الحضرمي فقتلوه وغنموا عيره فبلغ ذلك كفار قريش . وكان ابن الحضرمي أوّل قتيل قتل بين المشركين والمسلمين وذلك أوّل فيء أصابه المسلمون فركب وفد كفار قريش حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وآله فقالوا : أيحلّ القتال في الشهر الحرام ؟ فأنزل اللَّه سبحانه هذه الآية . نزلت الآية الثانية في قصّة عبداللَّه بن جحش وأصحابه لما قاتلوا في رجب ، وقتل واقد السهمي ابن الحضرمي فظنّ قوم أنّهم إن أسلموا من الإثم فليس لهم أجر ، فأنزل اللَّه سبحانه الآية فيهم بالوعد . التّفسير الآية الأولى تتصدّى للجواب عن الأسئلة المرتبطة بالجهاد والاستثناءات في هذا الحكم الإلهي فتقول الآية : « يَسَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ » . ثم تُعلن الآية حرمة القتال وأنّه من الكبائر « قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ » . أي إثم كبير . وبهذا يُمضي القرآن الكريم بجديّة السنّة الحسنة التي كانت موجودة منذ قديم الأزمان بين العرب الجاهليّين بالنسبة إلى تحريم القتال في الأشهر الحرم ( رجب ، ذيالقعدة ، ذيالحجة ، محرم ) . ثم تضيف الآية أنّ هذا القانون لا يخلو من الاستثناءات ، فلا ينبغي السّماح لبعض المجموعات الفاسدة لاستغلال هذا القانون في إشاعة الظلم والفساد ، فعلى الرغم من أنّ الجهاد حرام في هذه الأشهر الحرم ، ولكن الصد عن سبيل اللَّه والكفر به وهتك المسجد الحرام وإخراج الساكنين فيه وأمثال ذلك أعظم إثماً وجرماً عنداللَّه « وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ » . ثم تضيف الآية بأنّ إيجاد الفتنة والسعي في إضلال الناس وحرفهم عن سبيل اللَّه ودينه أعظم من القتل « وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ » لأنّ القتل ما هو إلّاجناية على جسم الإنسان ،