الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
174
مختصر الامثل
وفي الجواب بيّنت الآية نوع الإنفاق ، ثم تطرّقت أيضاً إلى الأشخاص المستحقين للنفقة . بشأن المسألة الأولى : ذكرت الآية كلمة « خير » لتبين بشكل جامع شامل ما ينبغي أن ينفقه الإنسان ، وهو كل عمل ورأسمال وموضوع يشتمل على الخير والفائدة للناس ، وبذلك يشمل كل رأسمال مادي ومعنوي مفيد . وبالنسبة للمسألة الثانية : - أي موارد الإنفاق - فتذكر الآية أوّلًا الأقربين وتخصّ الوالدين بالذكر ، ثم اليتامى ثم المساكين ، ثم أبناء السبيل ، ومن الواضح أنّ الإنفاق للأقربين - إضافة إلى ما يتركه من آثار تترتب على كل إنفاق - يوطّد عرى القرابة بين الأفراد . « وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ » . لعل في هذه العبارة من الآية إشارة إلى أنّه يحسن بالمنفقين أن لا يصرّوا على اطلاع الناس على أعمالهم ، ومن الأفضل أن يسرّوا انفاقهم تأكيداً لإخلاصهم في العمل ، لأنّ الذي يجازي على الاحسان عليم بكل شيء ، ولا يضيع عنده سبحانه عمل عامل من البشر . الآية السابقة تناولت مسألة الإنفاق بالأموال ، وهذه الآية تدور حول التضحية بالدم والنفس في سبيل اللَّه ، فالآيتان يقترن موضوعهما في ميدان التضحية والفداء ، فتقول الآية : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ » . التعبير بكلمة « كُتِب » إشارة إلى حتمية هذا الأمر الإلهي ومقطوعيته . « كُره » وإن كان مصدراً إلّاأنّه استعمل هنا باسم المفعول يعني مكروه ، فالمراد من هذه الجملة أنّ الحرب مع الأعداء في سبيل اللَّه أمر مكروه وشديد على الناس العاديين ، لأنّ الحرب تقترن بتلف الأموال والنفوس وأنواع المشقات والمصائب ، وأما بالنسبة لعشاق الشهادة في سبيل الحق ومن له قدم راسخ في المعركة فالحرب مع أعداء الحق بمثابة الشراب العذب للعطشان ، ولا شك في أنّ حساب هؤلاء يختلف عن سائر الناس وخاصة في بداية الإسلام . ثم تشير هذه الآية الكريمة إلى مبدأ أساس حاكم في القوانين التكوينية والتشريعية الإلهية وتقول : « وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ » .