الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
166
مختصر الامثل
تَوَلَّى سَعَى فِى الْأَرْضِ لِيُفسِدَ فِيهَا وَيُهلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَايُحِبُّ الْفَسَادَ » . أجل لأنّ هؤلاء لو كانوا صادقين في إيمانهم وإظهارهم المحبة لما أفسدوا في الأرض مطلقاً ، فبالرغم من أنّ ظاهرهم المحبة الخالصة إلّاأنّهم في الباطن أشد الناس قساوة ووحشية . « حرث » : بمعنى الزراعة ؛ « نسل » : بمعنى الأولاد وتُطلق أيضاً على أولاد الإنسان وغير الإنسان . إنّ التعبير « يُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ » كلام مختصر وجامع لكل المصاديق حيث يشمل الإفساد والتخريب بالنسبة للأموال والنفوس في المجتمع البشري . والآية الأخرى تضيف : « وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ » « 1 » . فتشتعل في قلبه نيران التعصب واللجاج وتجرّه إلى المعصية والإثم . فمثل هذا الشخص لا يستمع إلى نصيحة الناصحين ولا يهتم للإنذارات الإلهية ، بل يستمر على عناده وارتكابه للآثام والمنكرات مغروراً ، فلا يكون جزاؤه إلّاالنار ، ولذلك يقول في نهاية الآية : « فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ » . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ( 207 ) سبب النّزول روى الثعلبيّ في تفسيره : لمّا أراد النّبي صلى الله عليه وآله الهجرة إلى الغار خلّف عليّاً عليه السلام لقضاء ديونه وردّ الودائع التي كانت عنده ، وأمره ليلة خروج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار وقال له : « يا عليّ ! اتّشح ببردي الحضرمي ثم نم على فراشي فإنّه لا يخلص إليك منهم مكروه إن شاء اللَّه تعالى » . ففعل ما أمره ، فأوحى عزّ وجلّ إلى جبرئيل وميكائيل : أنّي قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فاختار كل منهما الحياة فأوحى اللَّه عزّ وجلّ إليهما : ألا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمّد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة ، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه . فنزلا فكان
--> ( 1 ) « العزّة » : في مقابل الذلّة في الأصل ، ولكن هنا ورد بمعنى الغرور والنخوة .