الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
161
مختصر الامثل
« رفث » : بالأصل بمعنى الكلام والحديث المتضمن ذكر بعض الأمور القبيحة أعم من الأمور الجنسية أو مقدماتها ، ثم بات كناية عن الجماع . « فسوق » : بمعنى الذنب والخروج من طاعة اللَّه . و « جدال » : تأتي بمعنى المكالمة المقرونة بالنزاع ، وهي في الأصل بمعنى شدّ الحبل ولفّه ، ومن هنا استعملت في الجدال بين اثنين ، لأنّ كلّاً منهما يشدّ الكلام ويحاول إثبات صحة رأيه ونظره . وهكذا ينبغي أن تكون أجواء الحج طاهرة من التمتعات الجنسية وكذلك من الذنوب والجدال العقيم وأمثال ذلك ، لأنّها أجواء عبادية تتطلّب الإخلاص وترك اللذائذ المادية وتقتبس روح الإنسان من ذلك المحيط الطاهر قوة جديدة تسوقها إلى عالم آخر بعيداً عن عالم المادة ، وفي نفس الوقت تقوي الألفة والاتحاد والاتفاق والاخوة بين المسلمين باجتناب كل ما ينافي هذه الأمور . 3 - بعد ذلك تعقب الآية وتبين المسائل المعنوية للحج وما يتعلق بالإخلاص وتقول : « وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ » . وهذا أوّل لطف إلهي يناله الصالحون ، فالمرحلة الأولى من لذّة الإنسان المؤمن هي إحساسه بأنّ ما يعمله في سبيل اللَّه إنّما هو بعين اللَّه ، ويا لها لذة . وتضيف الآية : « وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى » . والعبارة تنطوي على توعية المسلمين بالنسبة لعطاء الحج المعنوي وتفتّح أبصارهم على ما في ساحة الحج من معان عميقة تشدّ الإنسان بتاريخ الرسل والأنبياء وبمشاهد تضحية إبراهيم بطل التوحيد ، وبمظاهر عظمة اللَّه سبحانه ممّا لا يوجد في مكان آخر ، ولابد للحاج أن يستلهم من هذه الساحه زاداً يعينه على مواصلة مسيرته نحو اللَّه فيما بقي من عمره . « وَاتَّقُونِ يَا أُولِى الْأَلْبَابِ » . الآية التالية ترفع بعض الإشتباهات في مسألة الحج وتقول : « لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبّكُمْ » . لقد كان التعامل الاقتصادي بكافة ألوانه محضوراً في موسم الحج عند الجاهليين ، وكانوا يعتقدون ببطلان الحج إذا اقترن بالنشاط الاقتصادي ، فالآية مورد البحث تعلن بطلان هذا الحكم الجاهلي وتؤكد أنّه لا مانع من التعامل الاقتصادي والتجاري في موسم الحج ،