الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
15
مختصر الامثل
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) الإيمان بيوم القيامة : في هذه السورة تلفت الأنظار إلى أصل مهم آخر من أصول الإسلام ، هو يوم القيامة : « مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ » وبذلك يكتمل محور المبدأ والمعاد ، الذي يعتبر أساس كل إصلاح أخلاقي واجتماعي في وجود الإنسان . إنّ تعبير « مالك » يوحي بسيطرة اللَّه التامة وهيمنته المستحكمة على كل شيء وعلى كل فرد في ذلك اليوم ، حيث تحضر البشرية في تلك المحكمة الكبرى للحساب ، وتقف أمام مالكها الحقيقي للحساب ، وترى كل ما فعلته وقالته ، بل وحتى ما فكرت به ، حاضراً ، فلا يضيع أي شيء - مهما صغر - ولا ينسى ، والإنسان - وحده - يحمل أعباء نتائج أعماله ، بل نتائج كل سنّة استنّها في الأرض أو مشروع أقامه . ومالكية اللَّه في ذلك اليوم دون شك ليست ملكية اعتبارية ، نظير ملكيتنا للأشياء في هذا العالم ، فملكيتنا هذه عقد يبرم بموجب تعامل ووثائق ، وينفسخ بموجب تعامل آخر ووثائق أخرى ، لكن ملكية اللَّه لعالم الكون ملكية حقيقية . وبعبارة أخرى : مالكية اللَّه نتيجة خالقيته وربوبيته ، فالذي خلق الموجودات ورعاها وربّاها ، وأفاض عليها الوجود لحظة بلحظة ، هو المالك الحقيقي للموجودات . وقد يسأل سائل فيقول : لماذا وصفنا اللَّه بأنّه « مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ » بينما هو مالك الكون كله ؟ والجواب هو أنّ اللَّه مالك لعالم الدنيا والآخرة ، لكن مالكيته ليوم القيامة أبرز وأظهر ، لأنّ الإرتباطات المادية والملكيات الاعتبارية تتلاشى كلها في ذلك اليوم ، وحتى الشفاعة لا تتم يومئذ إلّابأمر اللَّه : « يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ » « 1 » . إنّ الإيمان بيوم القيامة ، وبتلك المحكمة الإلهيّة الكبرى التي يخضع فيها كل شيء للإحصاء الدقيق ، له الأثر الكبير في ضبط الإنسان أمام الزلّات ، ووقايته من السقوط في المنحدرات ، وأحد أسباب قدرة الصلاة على النهي عن الفحشاء والمنكر هو أنّها تذكّر الإنسان بالمبدأ المطلع على حركاته وسكناته وتذكره أيضاً بمحكمة العدل الإلهي الكبرى . وفي تفسير نور الثقلين عن علىّ بن إبراهيم : كان عليّ بن الحسين عليه السلام : « إذا قرأ « مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ » يكرّرها حتى يكاد أن يموت » .
--> ( 1 ) سورة الانفطار / 19 .