الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
103
مختصر الامثل
وبعد أن ذمّ القرآن الفئة المذكورة من اليهود والنصارى ، أشاد بأولئك الذين آمنوا من أهل الكتاب وانضموا تحت راية الرسالة الخاتمة : « الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ [ أي : بالتفكر والتدبر ثم العمل به ] أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ » . أي : يؤمنون بالرسول الكريم صلى الله عليه وآله « وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ » . بحوث 1 - سؤال عن عصمة الأنبياء : العبارة القرآنية : « وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهوَاءَهُمْ » قد تثير سؤالًا بشأن عصمة الأنبياء ، فهل يمكن للنبي صلى الله عليه وآله - وهو معصوم - أن يتبع أهواء المنحرفين من اليهود والنصارى ؟ في الجواب نقول : مثل هذه التعبيرات تكررت في القرآن الكريم ، ولا تتعارض مع مقام عصمة الأنبياء لأنّها - من جهة - جملة شرطية والجملة الشرطية لا تدل على تحقق الشرط . ومن جهة أخرى ، عصمة الأنبياء لا تجعل الذنب على الأنبياء محالًا ، بل المعصوم له قدرة على ارتكاب الذنب ، ولم يسلب منه الاختيار ، ومع ذلك لم يتلوث بالذنوب . من جهة ثالثة ، هذا الخطاب وإن اتّجه إلى النبي صلى الله عليه وآله ولكن قد يكون موجهاً إلى الناس جميعاً . 2 - للإسترضاء حدود : صحيح أنّ الإنسان الرّسالي يجب أن يسعى بأخلاقه إلى جذب الأعداء إلى صفوف الدعوة ، لكن مثل هذا الموقف يجب أن يكون تجاه المخالفين الذين يتحركون في مخالفتهم من موقع الغفلة والمرونة ، أمّا الموقف تجاه المعاندين المتصلبين فينبغي أن يكون غير ذلك ، ولا يجوز إهدار الوقت مع هؤلاء ، بل لابدّ من الإعراض عنهم وتركهم . 3 - حق التلاوة : عبّر القرآن عن الفئة المهتدية من أهل الكتاب بأنّهم « يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ » ، وهو تعبير عميق . في تفسير الميزان عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية : « يرتّلون آياته ، ويتفقّهون به ، ويعملون بأحكامه ، ويرجون وعده ، ويخافون وعيده ، ويعتبرون بقصصه ، ويأتمرون بأوامره ، وينتهون بنواهيه ، ما هو واللَّه حفظ آياته ودرس حروفه ، وتلاوة سوره ودرس أعشاره وأخماسه « 1 » ، حفظوا حروفه وأضاعوا حدوده ، وإنّما هو تدبّر آياته والعمل بأحكامه ، قال اللَّه تعالى : « كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا ءَايَاتِهِ »
--> ( 1 ) المقصود من الأعشار والأخماس تقسيمات القرآن .