السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

37

مختصر الميزان في تفسير القرآن

التفسير الكبير ولا لقصره في خلق الإنسان كما مال اليه بعضهم وذلك لأن الخلق الجديد يشمل السماء والأرض والإنسان جميعا كما قال تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( إبراهيم / 48 ) . والخلق الجديد خلق النشأة الثانية وهي النشأة الآخرة ، والاستفهام للإنكار . والمعنى : أعجزنا عن الخلق الأول حتى نعجز عن الخلق الجديد ؟ أي لم نعجز عن الخلق الأول وهو إبداؤه فلا نعجز عن الخلق الجديد وهو إعادته . وقوله : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ اللبس هو الالتباس ، والمراد بالخلق الجديد تبديل نشأتهم الدنيا من نشأة أخرى ذات نظام آخر وراء النظام الطبيعي الحاكم في الدنيا فإن في النشأة الأخرى وهي الخلق الجديد بقاء من غير فناء وحياة من غير موت ثم إن كان الإنسان من أهل السعادة فله نعمة من غير نقمة وإن كان من أهل الشقاء ففي نقمة لا نعمة معها ، والنشأة الأولى وهي الخلق الأول والنظام الحاكم فيها على خلاف ذلك . والمعنى : إذا كنا خلقنا العالم بسمائه وأرضه وما فيهما ودبّرناه أحسن تدبير لأول مرة بقدرتنا وعلمنا ولم نعجز عن ذلك علما وقدرة فنحن غير عاجزين عن تجديد خلقه وهو تبديله خلقا جديدا فلا ريب في قدرتنا ولا التباس بل هم في التباس لا سبيل لهم مع ذلك إلى الإيمان بخلق جديد . قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ قال الراغب : الوسوسة الخطرة الرديئة وأصله من الوسواس وهو صوت الحلي والهمس الخفي . انتهى . والمراد بخلق الإنسان وجوده المتدرج المتحول خلقا بعد خلق لا أول تكوينه إنسانا وإن عبّر عنه بالماضي إذ قال : « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ » إذ الإنسان - وكذا كل مخلوق له حظ من البقاء - كما يحتاج إلى عطية ربه في أول وجوده كذلك يحتاج اليه في بقائه .