السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
21
مختصر الميزان في تفسير القرآن
حتى يأتي على آخره فيتبدل الصلاح فسادا ويذهب الانس والأمن والاعتماد وينقلب الدواء داء . فهي في الحقيقة إبطال هوية اجتماعية على حين غفلة من صاحبها ومن حيث لا يشعر به ، ولو علم بذلك على ما فيه من المخاطرة لتحرّز منه وتوقّى انهتاك ستره وهو الستر ألقاه اللّه سبحانه على عيوب الإنسان ونواقصه ليتمّ به ما أراده من طريق الفطرة من تألّف أفراد الإنسان وتجمّعهم وتعاونهم وتعاضدهم ، وأين الإنسان والنزاهة من كل عيب . وإلى هذه الحقيقة أشار تعالى فيما ذكره من التمثيل بقوله : « أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ » وقد أتى بالاستفهام الإنكاري ونسب الحب المنفي إلى أحدهم ولم يقل : بعضكم ونحو ذلك ليكون النفي أوضح استيعابا وشمولا ولذا أكّده بقوله بعد : « فَكَرِهْتُمُوهُ » فنسب الكراهة إلى الجميع ولم يقل : فكرهه . وبالجملة محصّله أن اغتياب المؤمن بمنزلة أن يأكل الإنسان لحم أخيه حال كونه ميتا ، وإنما كان لحم أخيه لأنه من أفراد المجتمع الإسلامي المؤلف من المؤمنين وإنما المؤمنون إخوة ، وإنما كان ميتا لأنه لغيبته غافل لا يشعر بما يقال فيه . وفي قوله : فَكَرِهْتُمُوهُ ولم يقل : فتكرهونه إشعار بأن الكراهة أمر ثابت محقق منكم في أن تأكلوا إنسانا هو أخوكم وهو ميت فكما أن هذا مكروه لكم فليكن مكروها لكم اغتياب أخيكم المؤمن بظهر الغيب فإنه في معنى أكل أحدكم أخاه ميتا . واعلم أن ما في قوله : « أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ » الخ ؛ من التعليل جار في التجسس أيضا كالغيبة ، وإنما الفرق أن الغيبة هو إظهار عيب الغير للغير أو التوصّل إلى الظهور عليه من طريق نقل الغير ، والتجسس هو التوصل إلى العلم بعيب الغير من طريق تتبّع آثاره ولذلك لم يبعد أن يكون الجملة أعني قوله : « أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً » الخ ؛ تعليلا لكل من الجملتين أعني « وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً » .