السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
62
مختصر الميزان في تفسير القرآن
قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ إشارة إلى أنهم مفطورون على التوحيد معترفون به من حيث لا يشعرون ، فإنهم إن سئلوا عمن خلق السماوات والأرض اعترفوا بأنه اللّه عزّ اسمه وإذا كان الخالق هو هو فالمدبر لها هو هو لأن التدبير لا ينفك عن الخلق ، وإذا كان مدبر الأمر والمنعم الذي يبسط ويقبض ويرجى ويخاف هو فالمعبود هو هو وحده لا شريك له فقد اعترفوا بالوحدة من حيث لا يعلمون . ولذلك أمره صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يحمد اللّه على اعترافهم من حيث لا يشعرون فقال : « قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ » ثم أشار إلى أن كون أكثرهم لا يعلمون معنى اعترافهم أن اللّه هو الخالق وما يستلزمه فقال : « بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ » نعم قليل منهم يعلمون ذلك ولكنهم لا يطاوعون الحق بل يجحدونه وقد أيقنوا به كما قال تعالى : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ( النمل / 14 ) . قوله تعالى : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ لما كان اعترافهم بأن الخالق هو اللّه سبحانه إنما يثبت التوحد بالربوبية والألوهية إذا كان التدبير والتصرف اليه تعالى وكان نفس الخلق كافيا في استلزامه اكتفى به في تمام الحجة واستحمد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم واستجهل القوم لغفلتهم . ثم احتجّ عليه ثانيا من طريق انحصار الملك الحقيقي فيه تعالى لكونه غنيا محمودا مطلقا وتقريره أنه تعالى مبدأ كل خلق ومعطى كل كمال فهو واجد لكل ما يحتاج اليه الأشياء فهو غني على الإطلاق إذ لو لم يكن غنيا من جهة من الجهات لم يكن مبدأ له معطيا لكماله هذا خلف ، وإذا كان غنيا على الإطلاق كان له ما في السماوات والأرض فهو المالك لكل شيء على الإطلاق فله أن يتصرف فيها كيف شاء فكل تدبير وتصرف يقع في العالم فهو له إذ لو كان شيء من التدبير لغيره لا له كان مالكه ذلك الغير دونه وإذا كان التدبير والتصرف له تعالى فهو رب العالمين والإله الذي يعبد ويشكر إنعامه وإحسانه .