السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
55
مختصر الميزان في تفسير القرآن
متصرمة ، وأما الدين فإن كانا ممن أناب إلى اللّه فلتتبع سبيلهما وإلّا فسبيل غيرهما ممن أناب إلى اللّه . ومن هنا يظهر أن في قوله : « وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ » إيجازا لطيفا فهو يفيد أنهما لو كانا من المنيبين إلى اللّه فلتتبع سبيلهما وإلّا فلا يطاعا ولتتبع سبيل غيرهما ممن أناب إلى اللّه . وقوله : ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي هذا الذي ذكر ، تكليفكم في الدنيا ثم ترجعون إلى يوم القيامة فاظهر لكم حقيقة أعمالكم التي عملتموها في الدنيا فأقضي بينكم على حسب ما تقتضيه أعمالكم من خير أو شر . وبما مرّ يظهر أن قوله : « فِي الدُّنْيا » يفيد أولا قصر المصاحبة بالمعروف في الأمور الدنيوية دون الدينية ، وثانيا : تهوين أمر الصحبة وأنها ليست إلّا في أيام قلائل فلا كثير ضير في تحمل مشاق خدمتهما ، وثالثا المقابلة ليوم الرجوع إلى اللّه المشار اليه بقوله : « ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ » الخ . قوله تعالى : يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ الخ ؛ ذكروا أن الضمير في « إِنَّها » للخصلة من الخير والشر لدلالة السياق على ذلك وهو أيضا اسم كان و « مِثْقالَ حَبَّةٍ » خبره ، والمراد بكونها في صخرة اختفاؤها بالاستقرار في جوف الصخرة الصماء أو في السماوات أو في الأرض ، والمراد بالإتيان بها إحضارها للحساب والجزاء . كان الفصل السابق من كلامه المنقول راجعا إلى التوحيد ونفي الشريك وما في هذه الآية فصل ثان في المعاد وفيه حساب الأعمال ، والمعنى : يا بني إن تكن الخصلة التي عملت من خير أو شر أخف الأشياء وأدقها كمثقال حبة من خردل فتكن تلك الخصلة الصغيرة مستقرة في جوف صخرة أو في أي مكان من السماوات والأرض يأت بها اللّه للحساب والجزاء لأن اللّه لطيف ينفذ علمه في أعماق الأشياء ويصل إلى كل خفي خبير يعلم كنه الموجودات .