السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
17
مختصر الميزان في تفسير القرآن
مثلها لكن يفاجئكم دفعة أنه يصير بشرا ذوي حياة وشعور عقلي ينتشرون في الأرض في سبيل تدمير أمر الحياة فقوله : « ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ » في معنى قوله : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ( المؤمنون / 14 ) . فخلق الإنسان أي جمع أجزائه من الأرض وتأليفها آية وكينونة هذا المجموع إنسانا ذا حياة وشعور عقلي آية أو آيات أخر تدل على صانع حي عليم يدبر الأمر ويجري هذا النظام العجيب . وقد ظهر بهذا المعنى أن « ثُمَّ » للتراخي الرتبي والجملة معطوفة على قوله : « خَلَقَكُمْ » لا على قوله : « أَنْ خَلَقَكُمْ » . قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها إلى آخر الآية ؛ قال الراغب : يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى من الحيوانات المتزاوجة : زوج ولكل قرينين فيها وفي غيرها : زوج ، قال تعالى : فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى وقال : وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ * وزوجة لغة رديئة وجمعها زوجات - إلى أن قال - وجمع الزوج أزواج . انتهى . فقوله : أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها أي خلق لأجلكم - أو لينفعكم - من جنسكم قرائن وذلك أن كل واحد من الرجل والمرأة مجهز بجهاز التناسل تجهيزا يتم فعله بمقارنة الآخر ويتم بمجموعهما أمر التوالد والتناسل فكل واحد منهما ناقص في نفسه مفتقر إلى الآخر ويحصل من المجموع واحد تام له أن يلد وينسل ، ولهذا النقص والافتقار يتحرك الواحد منهما إلى الآخر حتى إذا اتصل به سكن اليه لأن كل ناقص مشتاق إلى كماله وكل مفتقر مائل إلى ما يزيل فقره وهذا هو الشبق المودع في كل من هذين القرينين . وقوله : وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً المودة كأنها الحب الظاهر أثره في مقام العمل فنسبة المودة إلى الحب كنسبة الخضوع الظاهر أثره في مقام العمل إلى الخشوع الذي هو