السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
111
مختصر الميزان في تفسير القرآن
والضنك فاشتكت اليه ذلك واقترحت عليه أن يسعدهن في الحياة بالتوسعة فيها وإيتائهن من زينتها ؟ فأمر اللّه سبحانه نبيه أن يخيّرهن بين أن يفارقنه ولهن ما يردن وبين أن يبقين عنده ولهن ما هن عليه من الوضع الموجود . وقد ردّد أمرهن بين أن يرد الحياة الدنيا وزينتها وبين أن يردن اللّه ورسوله والدار الآخرة ، وهذا الترديد يدل أولا : أن الجمع بين سعة العيش وصفائها بالتمتع من الحياة وزينتها وزوجية النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والعيشة في بيته مما لا يجتمعان . وثانيا : أن كلا من طرفي الترديد مقيّد بما يقابل الآخر ، والمراد بإرادة الحياة الدنيا وزينتها جعلها هي الأصل سواء أريدت الآخرة أو لم يرد ، والمراد بإرادة الحياة الآخرة جعلها هي الأصل في تعلق القلب بها سواء توسعت معها الحياة الدنيا ونيلت الزينة وصفاء العيش أو لم يكن شيء من ذلك . ثم الجزاء أعني نتيجة اختيارهن كلا من طرفي الترديد مختلف فلهنّ على تقدير اختيارهن الحياة الدنيا وزينتها بمفارقة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يطلّقهن ويمتعهن جمعاء من مال الدنيا ، وعلى تقدير بقائهن على زوجية النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم واختيار الآخرة على الحياة الدنيا وزينتها الأجر العظيم عند اللّه لكن لا مطلقا بل بشرط الإحسان والعمل الصالح . ويتبين بذلك أن ليس لزوجية النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من حيث هي زوجية كرامة عند اللّه سبحانه وإنما الكرامة لزوجيته المقارنة للاحسان والتقوى ولذلك لما ذكر ثانيا علوّ منزلتهن قيّده أيضا بالتقوى فقال : « لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ » وهذا كقوله في النبي وأصحابه : « مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً - إلى أن قال - وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً » حيث مدحهم عامة بظاهر أعمالهم أولا ثم قيّد وعدهم الأجر العظيم بالإيمان والعمل الصالح .